|
الفلاسفة والساسة يجاهدون لاقامة حكومات قادرة و عادلة
اتفقت الفلسفة هذه المرة مع الدبلوماسية. فمؤلفات فولتير، وروسو، وديدرو، ورينال،
وعشرات غيرهم أعدت الذهن الفرنسي لمناصرة تحرير المستعمرات كما ناصر التحرير الفكري،
وكان الكثيرون من الزعماء الأمريكيين-كواشنطن، وفرانكلين، وجفرسن-أبناء للتنوير
الفرنسي. ومن ثم فحين قدم سيلاس دين إلى فرنسا (مارس 1776) ملتمساً قرضاً
للمستعمرات الثائرة، كان الرأي العام الفرنسي شديد التعاطف معه، وراح بومارشيه في
تحمسه يرسل المذكرة تلو المذكرة إلى فرجين يحثه فيها على مد يد المعونة لأمريكا.
وكان فرجين نبيلاً يؤمن بالملكية والأرستقراطية، وليس بينه وبين
الجمهوريات أو الثورات ود، ولكنه كان تواقاً للثأر من إنجلترا لفرنسا. غير أنه لم
يرض بالموافقة على أي معونة سافرة لأمريكا، لأن البحرية البريطانية كانت لا تزال
أقوى من الفرنسية رغم ما أنفقته عليها سارتين، وكان في مقدورها تدمير السفن
الفرنسية إذا كانت الحرب سافرة إلا أنه أشار الملم بالإذن ببعض المعونة السرية،
وحجته لها في أمريكا أو قربها أسطول قادر على الاستيلاء متى شاء على الممتلكات
الفرنسية والأسبانية في البحر الكاريبي. أما إذا أمكن المطاولة في الثورة، فإن
فرنسا ستقوى، وإنجلترا تضعف، وتستطيع البحرية الفرنسية استكمال تجديدها. أما لويس
فكان يرتعد فرقاً لفكرة تقديم المعونة لثورة ما، وحذر فرجين من أي عمل سافر قد يفضي
إلى حرب مع إنجلترا(96).
وفي أبريل كتب فرجين إلى بومارشيه يقول:
"سنعطيك سراً مليوناً من الجنيهات، وسنحاول الحصول على مبلغ مماثل من أسبانيا. (وقد
حصلوا على هذا المبلغ) وبهذين المليونين عليك أن تؤلف شركة تجارية، وتزود
الأمريكيين على مسؤوليتك بالسلاح والذخيرة والأجهزة، وسائر الأشياء التي يحتاجون
إليها لمواصلة الحرب. وستسلمك ترسانتنا السلاح والذخيرة، ولكنك ستعوضها أو تدفع
ثمنها. وإياك أن تطلب مالاً من الأمريكيين، لأنهم لا يملكون المال، ولكن أطلب
مقابلاً غلات أرضهم، التي سنساعدك على بيعها في هذا البلد"(97).
وبهذا المال اشترى بومارشيه المدافع والبنادق والبارود والثياب والأجهزة اللازمة
لخمسة وعشرين ألف رجل، ثم أرسل هذه البضائع إلى ميناء كان دين قد جمع فيه عدة
قراصنة أمريكيين وأعاد تجهيزهم. وقد شجع وصول هذه المعونة أو الوعد الوثيق بها
المستعمرين على إصدار إعلان الاستقلال (4 يوليو 1776). فلما ترجم الإعلان إلى
الفرنسية، وتداوله الناس بموافقة الحكومة الفرنسية الضمنية، استقبلته جماعة
الفلاسفة بحماسة وفرح، وكذلك تلاميذ روسو الذين تبينوا فيه أصداء من "العقد
الاجتماعي". وفي سبتمبر عين الكونجرس الأمريكي. بنيامين فرانكلين وآرثر لي-ليمضيا
إلى فرنسا مندوبين، وينضما إلى دين، ويلتمسا لا المزيد من الإمداد فحسب، بل التحالف
السافر إن أمكن.
ولم تكن هذه أول مرة ظهر فيها فرانكلين في أوربا. ذلك أنه في 1774 ذهب إلى إنجلترا
ولم يكن قد بلغ التاسعة عشرة، وقد اشتغل طباعاً، ونشر دفاعاً عن الإلحاد(98)، وعاد
إلى فيلادلفيا والربوبية، وتزوج، وانضم إلى جماعة الماسون، وظفر بشهرة دولية بوصفه
مخترعاً وعالماً. وفي 1757 أوفد إلى إنجلترا ممثلاً لمجلس بنسلفانيا في نزاع ضرائبي.
ومكث في إنجلترا خمس سنين، والتقى بجونسن وغيره من وجوه القوم، وزار إسكتلندة،
والتقى بهيوم وروبرتسن، ونال درجة عالية من جامعة سانت أندروز، وأصبح منذ الآن
الدكتور فرانكلين. ثم عاد إلى إنجلترا من 1766 إلى 1776، وخطب في مجلس العموم
معارضاً ضريبة الدمغة، وحاول المصالحة، ثم عاد إلى أمريكا حين
رأى أن الحرب واقعة.
وقد شارك في صياغة إعلان الاستقلال.
وصل فرانكلين إلى فرنسا في ديسمبر 1776 ومعه حفيدان له، وكان الآن في السبعين،
ويبدو وكأنه الحكمة ذاتها مجسمة، والعالم كله يعرف ذلك الرأس الضخم والشعر المشتعل
الخفيف، والوجه الشبيه بالبدر عند بزوغه المشرق. وأهال عليه العلماء أسباب التكريم،
وادعى الفلاسفة والفزيوقراطيين أنه واحد منهم، ورأى المعجبون بروما القديمة فيه
سنسناتوس، وسكيبو الأفريقي، والكاتوين، وقد بعثوا من مراقدهم، وصففت نبيلات باريس
شعورهن في لمة مجعدة تقليداً لقبعته المصنوعة من فرو القندس؛ ولا ريب أنهن سمعن
بغرامياته الكثيرة. وأذهلت الحاشية بساطة عاداته، ولباسه، وحديثه، ولكن بدلاً من أن
يبدو مضحكاً في زيه القريب من زي الريفيين، كان اختيالهم في المخمل والحرير والمخرم
هو الذي تبدى الآن كأنه محاولة فاشلة لإخفاء الواقع وراء مظهر كاذب. ومع ذلك قبلوه
هم أيضاً، لأنه لم يستعرض أحلاماً لحكومات مثالية، بل تكلم بتعقل وإدراك سليم،
وأظهر الوعي الكامل بالمصاعب والحقائق, كان
يدرك أنه بروتستانتي، ربوبي، جمهوري، يطلب العون من بلد كاثوليكي وملك تقي.
وقد باشر مهمته في حذر وحيطة. فلم يغضب أحداً، وأبهج كل إنسان. وقدم فروض الاحترام
لا لفرجين فقط بل لميرباو الأب ولمدام دودفان، ولمع رأسه الأصلع في الصالونات وفي
أكاديمية العلوم. وشرف نبيلاً شاباً هو الدوق دلاروشفوكو أن يكون سكرتيره. وكانت
الجموع تجري وراءه حين يظهر في الشوارع. ولقيت كتبه ترحيباً واسعاً حين ترجمت ونشرت
"أعمالاً كاملة" وطبع من كتاب واحد "تقويم وتشرد المسكين" ثماني طبعات في ثلاثة
أعوام. واختلف فرانكلين إلى محفل "النوف سير" الماسوني ومنح العضوية الفخرية،
وإعانة الرجال الذين التقى بهم هناك على كسب فرنسا في حلف مع أميركا. ولكنه لم
يستطع أن يطلب للتو المعونة السافرة من الحكومة. وكان جيش واشنطن يتقهقر أمام السر
وليم هاو، وبدا أن معنوية الجيش تحطمت. وبينما كان فرانكلين ينتظر أحداثاً أكثر
يمناً أقام في باسي، وهي إحدى ضواحي باريس اللطيفة، وراح يدرسslash ويفاوض، ويكتب
نشرات الدعاية تحت أسماء مستعارة، ويستضيف طورجو، ولافوازييه، وموريلليه، وكاباني،
ويغازل مدام دودتو في سانوا ومدام هلفتيوس في أوتوى، ولا عجب فقد كان في هاتين
المرأتين فتنة جعلتهما جذابتين بغض النظر عن تقدمهما في العمر.
وكان بومارشيه وغيره أثناء ذلك يرسلون الإمداد إلى المستعمرات، وضباط الجيش
الفرنسيون يتطوعون للقتال تحت إمرة واشنطن. كتب سيلاس دين في 1776 "تتكاثر علي
تكاثراً رهيباً طلبات الضباط الراغبين في الذهاب إلى أمريكا... ولو كان لدي عشر سفن
هنا لملأتها كلها بركاب لأمريكا"(99). والعالم كله يعرف كيف ترك المركيز لافاييت،
البالغ من العمر تسعة عشر عاماً، زوجة مخلصة حبلى ليرحل (ابريل 1777) ويقاتل بلا
راتب جيش المستعمرات. وقد اعترف لواشنطن قائلاً "إن الشيء الوحيد الذي أتعطش إليه
هو المجد"(100)، وفي سبيل المجد أقتحم كثيراً من المخاطر وألوانا من الهوان، وجرح
في براند يواين، وشارك في أهوال فالي فورج، وظفر بالمحبة الحارة من واشنطن رغم
تحفظه المعهود.
وفي 17 أكتوبر 1777 هزم جيش للمستعمرين عدته عشرون ألف مقاتل قوة مؤلفة من خمسة
آلاف جندي بريطاني وثلاثة آلاف مرتزق ألماني قادمين من كندا في ساراتوجا وأكرهها
على الاستسلام. فلما بلغ نبأ هذا الانتصار الأمريكي فرنسا وجدت مطالبة فرانكلين،
ودين، ولي، بإبرام حلف قبولاً بين مشيري الملك. غير أن نكير عارض إذ كره أن يرى
ميزانيته التي قاربت التوازن تقلبها نفقات الحرب رأساً على عقب. إلا أن فرجين
وموريبا ظفرا بموافقة لويس السادس عشر التي بذلها على مضض حين حذراه من أن
إنجلترا-التي كانت عليمة منذ زمن طويل بالعون الفرنسي لأمريكا ومستاءة منه-قد تبرم
صلحاً مع مستعمراتها وتوجه كامل قوتها الحربية ضد فرنسا. وعليه ففي 6 فبراير 1778
وقعت الحكومة الفرنسية معاهدتين مع "ولايات أمريكا المتحدة" أرست إحداهما علاقات
التجارة، والمعونة، واشترطت الأخرى سراً أن ينضم الموقعان في الدفاع عن فرنسا إذا
أعلنت عليها إنجلترا الحرب، ولا يبرم طرف صلحاً دون موافقة الآخر، ويواصل كلاهما
قتال إنجلترا حتى يتحقق استقلال أمريكا.
وفي 20 مارس استقبل لويس المبعوثين الأمريكيين، ولبس فرانكلين جوارب حريرية طويلة
لهذه المناسبة. وفي أبريل وصل جون آدمز ليحل محل دين ، وأقام مع فرانكلين في باسي،
ولكنه وجد الفيلسوف العجوز في شغل بالنساء عن مهامه الرسمية. فتشاجر معه، وحاول
العمل على استدعائه لأمريكا، ففشل، وعاد إلى أمريكا. وعين فرانكلين وزيراً مفوضاً
لدى فرنسا (سبتمبر 1779). وفي 1780، حين كان يبلغ الرابعة والسبعين، عرض الزواج دون
جدوى على مدام هلفتيوس البالغة إحدى وستين سنة.
وأحب الفرنسيون كلهم تقريباً هذه الحرب عدا نكير. فقد كان عليه أن يجمع الأموال
الطائلة التي أقرضتها فرنسا لأمريكا: مليون جنيه في 1776، وثلاثة ملايين أخرى في
1778، ومليوناً آخر في 1779، وأربعة في 1780، وأربعة في 1781، وستة في 1782(101).
وبدأ مفاوضات سرية مع اللورد نورث (أول ديسمبر 1779) أملاً في العثور على
صيغة للصلح(102). وكان عليه بالإضافة إلى هذه القروض أن يجمع المال لتمويل حكومة
فرنسا وجيشها، وبحريتها، وبلاطها. وبلغت جملة ما اقترضه من المصرفيين والشعب
530.000.000 جنيه(103). وقد لاطف الأكليروس حين أقرضوه أربعة عشر مليوناً، ترد
أقساطاً قيمتها مليون جنيه كل عام. وظل يرفض فرض الضرائب، مع أن ثراء الطبقات
العليا كان يمكن أن يجعل هذا الإجراء غير مؤلم نسبياً، وسيشكو من خلفوه في منصبه من
أنه ألقى على عاتقهم هذه الضرورة التي لا محيص عنها. وقد حاباه الماليون لأنه منحهم
على قروضهم معدلات الفائدة العالية التي طالبوا بها بحجة أنهم إنما يغامرون بأخطار
متزايدة، أخطار عدم استرداد قروضهم على الإطلاق. ورغبة في تنمية الثقة في المجتمع
المالي، نشر نكير بموافقة الملك في يناير 1781 "تقريراً مقدماً للملك" هدفه إطلاع
الملك والأمة على إيرادات الحكومة ومصروفاتها، وقد أضفى على الصورة إشراقاً بإسقاطه
النفقات الحربية وغيرها من المصروفات "غير العادية"، وإغفاله الدين القومي. وأقبل
الجمهور على شراء "التقرير" بمعدل ثلاثين ألف نسخة في اثني عشر شهراً. وحيا الناس
نكير ساحراً للمالية أنقذ الحكومة من الإفلاس. وطلبت كاترين الكبرى من جريم أن يؤكد
لنكير "إعجابها الذي لا حد له بكتابه وبمواهبه"(104). غير أن البلاط غضب لأن "التقرير
المقدم للملك" فضح الكثير جداً من مفاسد الماضي المالية، وكشف عن الكثير جداً من
المعاشات التي تدفعها الخزانة. وهاجم بعضهم الوثيقة زاعماً أنها ليست إلا مديحاً
للوزير بقلمه، وغار موريبا من نكير غيرته من طورجو من قبل وانضم إلى غيره في
التوصية بإقالته. أما الملكة فدافعت عنه وإن ساءتها إجراءات الوفر التي اتخذها،
ولكن فرجين سماه ثائراً(105). واشترك النظار الملكيون في اتهام نكير ومحاولة إسقاطه
مخافة أن يحفظ التقويض سلطتهم بإنشاء المزيد من المجالس الإقليمية. وعمل نكير ذاته
على سقوطه بأنه سيستقيل ما لم يمنح لقب الوزير وسلطته كاملين مع كرسي في المجلس
الملكي، وقال موريبا للملك أنه لو أجيب نكير إلى طلبه هذا لتخلى جميع الوزراء
الآخرين عن مناصبهم. واستسلم لويس، وأخلى سبيل نكير (19 مايو 1781) وحزنت باريس
كلها لسقوطه إلا البلاط. وبعث يوزف الثاني بعزائه، ودعته كاترين الثانية للحضور
وإدارة مالية روسيا(106).
وفي 12 أكتوبر 1779 انضمت أسبانيا إلى فرنسا ضد إنجلترا. وأوشك الأسطولان الفرنسي
والأسباني المجتمعان، ببوارج مجموعها 140، أن يعدلا بوارج البحرية البريطانية
وعددها 150(107)، وقطعا على بريطانيا سطوتها على البحار. وقد أثر هذا التغيير في
ميزان القوة البحرية تأثيراً حيوياً في الحرب الأمريكية. ذلك أن الجيش البريطاني
الرئيسي في امريكا، وعدته سبعة آلاف مقاتل يقودهم اللورد كورنواليس، احتل موقعاً
حصيناً في يوركتون على نهر يورك قرب خليج تشيزابيك. وكان لافاييت برجاله الخمسة
آلاف وواشنطن برجاله الأحد عشر ألفاً (بما فيهم ثلاثة آلاف فرنسي تحت إمرة الكونت
روشامبو) قد التقيا عند يوركتون واستوليا على كل المداخل البرية الميسورة. وفي 5
سبتمبر 1781 هزم أسطول فرنسي بقيادة الكونت دجراس أسطولاً إنجليزياً صغيراً في
الخليج، ثم أغلق كل مهرب مائي على قوة كورنواليس الأقل عدداً. فلما استنفد
كورنواليس ذخيرته استسلم هو وجميع رجاله (19 أكتوبر 1781). واستطاعت فرنسا أن تزعم
أن دجراس، لافاييت، ورشاميو قد لعبوا أدواراً كبرى في ذلك الحدث الذي تبين أنه
الفاصل في الحرب.
|