|
البرجوازية و الثورة
كان الملمح البارز للحياة الاقتصادية الفرنسية في القرن الثامن عشر هو صعود طبقة
التجار ورجال الأعمال. وكانت قد بدأت تزكو أيام لويس الرابع عشر وكولبير، وأفادت
أعظم فائدة من الطرق والقنوات الممتازة التي يسرت التجارة، وأثرت على الاتجار مع
المستعمرات، وارتفعت إلى مكان مرموق في الوظائف الإدارية (حتى 1781)، وهيمنت على
مالية الدولة.
ولكن أزعجتها إلى حد التمرد تلك المكوس التي فرضت لصالح
الإقطاعيين أو
الحكومة على الطرق والترع، وذلك الفحص المضيع للوقت للشحنات عند كل محطة للمكوس
وكان هناك ثلاثون إلى أربعين من هذه المكوس يجب أن يدفعها المركب الذي يحمل بضاعة
من جنوبي فرنسا إلى باريس(41). وطالب رجال الأعمال بحرية التجارة داخل الحدود،
ولكنهم لم يكونوا واثقين من رغبته في هذه الحرية بين الأمم.
ومع ذلك دعم خفض التعريفات التجارة الخارجية وملأ خزائن طبقة التجار. وتضاعفت
التجارة تقريباً بين عامي 1763 و1787، ونيفت على بليون فرنك في 1780(42). واكتظت
مدن الثغور الفرنسية بالتجار، والشاحنين، والملاحين، والمتاجر، ومعامل التحرير،
ومصانع التقطير، وفي تلك المدن كانت طبقة التجار ورجال الأعمال هي الغالبة قبل أن
تكرس الثورة تفوقها القومي بزمان.
وجاء شطر من الثروة التجارية من قنص العبيد الأفارقة أو شرائهم ونقلهم إلى أمريكا
وبيعهم هناك ليعملوا على المزارع الكبيرة، وهو ما كانت عليه الحال في إنجلترا. ففي
1788 شحن تجار الرقيق الفرنسيون 29.506 زنجياً إلى سان-دومنج (هايتي) وحدها"(43).
وكان المستثمرون الفرنسيون يمتلكون معظم الأرض والصناعات هناك وفي جواد لوب
والمارتنيك. وفي سان-دومنج كان ثلاثون ألفاً من البيض يستخدمون 480.000 عبد(44).وفي
1789 صرحت غرفة بوردو التجارية بالآتي: "أن فرنسا تحتاج إلى مستعمراتها لصيانة تجارتها، ومن ثم تحتاج إلى عبيد حتى تصبح التجارة مجزية في هذا الجزء
من العالم، على الأقل إلى أن يعثر على وسيلة أخرى"(45).
واحتاجت المشروعات الصناعية والاستعمارية وغيرها إلى رأس المال، وولدت سلالة
متكاثرة من المصرفيين، وعرضت شركات المحاصة السندات، وطرحت الحكومة أسهم القروض،
وتطورت المضاربة في بيع وشراء السندات المالية، واستأجر المضاربون صحفيين لبث
الشائعات المقصود بها رفع أسعار الأسهم أو خفضها(46). وحظي بعض المصرفيون بثقة
شخصية تفوق الثقة في الحكومة، ومن ثم استطاعوا أن يقترضوا بفائدة منخفضة، ويقوضوا
الحكومة بفائدة اعلى، ويزيدوا ثروتهم بإمساك دفاترهم لا أكثر-ما دام حكمهم صائباً
وما دامت الدولة تدفع ديونها.
وتعاظم ثراء الملتزمين العامين (وهم الماليون الذين كانوا يشترون حق جباية الضرائب
غير المباشرة بتقديمهم قرضاً للحكومة) واشتد كره الناس لهم، وذلك لأن الضرائب غير
المباشرة، كضرائب البيوع عموماً، كانت أفدح ما تكون على من يضطرون لإنفاق الكثير من
دخلهم على ضروريات الحياة اليومية. وكان بعض هؤلاء الملتزمين مثل هلفتيوس ولا
فوازييه، رجالاً ذوي نزاهة نسبية وروح وطنية، أسخياء في مساهمتهم في البر والآداب
والفنون(47). وتبينت الحكومة مساوئ نظام الالتزام هذا، وخفضت عدد الملتزمين من ستين
إلى أربعين في 1780، ولكن عداء الشعب لهم استمر. وقد ألغت الثورة النظام، وكان رأس
لافوازييه أحد الرءوس التي تهاوت في هذه العملية.
ولما كان نظام الضرائب قد لعب دوراً قيادياً بين أسباب الثورة، فلا بد لنا من أن
نذكر القارئ مرة أخرى الضرائب التي كان الفرنسيون يدفعونها. (1) كانت التاي ضريبة
على الأرض والأملاك الشخصية. وقد أعفى الأشراف منها لما يؤدونه من خدمة حربية،
وأعفى الأكليروس لأنهم يحفظون النظام الاجتماعي ويصلون من اجل الدولة، وأعفى القضاة
وكبار الإداريين، وموظفو الجامعات، ووقع كل الضريبة تقريباً على كاهل ملاك الأرض من
الطبقة الثالثة-ومن ثم على الفلاحين في المقام الأول. (2)ضريبة الرءوس وكانت تفرض
على كل رأس في الأسرة، ولم يعف منها غير الأكليروس (3)الضريبة العشرينية وكانت
ضريبة على الملكية كلها عقارية أة شخصية، ولكن النبلاء تهربوا من شطر كبير منها ومن
ضريبة الرءوس باستخدام النفوذ الخاص، أو استخدام المحامين ليعثروا على ثغرات في
القانون، وتفادى الأكليروس الضريبة العشرينية بعطاء اختياري دوري للدولة (4)كانت كل
مدينة تدفع ضريبة للحكومة وتفرضها على مواطنيها. (5)فرضت الضرائب غير المباشرة بهذه
الوسائل: (أ) مكوس النقل. (ب) مكوس الاستيراد والتصدير. (جـ) رسوم الإنتاج على
الأنبذة والمسكرات والصابون والجلد والحديد وورق اللعب الخ. (د) الاحتكارات
الحكومية لبيع التبغ والملح، فكان على كل فرد أن يشتري كل عام حداً أدنى مقرراً من
الملح من الحكومة بالسعر الذي تحدده، وكان دائماً أعلى من سعر السوق. وكانت ضريبة
الملح (الجابل) هذه من أكبر أسباب شقاء الفلاح (6)كان الفلاح يدفع ضريبة لينجو من
السخرة. وبلغت جملة ما يدفعه الفرد من الطبقة الثالثة في المتوسط من الضرائب اثنين
وأربعين إلى ثلاثة وأربعين في المائة من دخله(48).
فإذا أخذنا التجار وأصحاب المصانع ورجال المال والمخترعين والمهندسين والعلماء
وصغار البيروقراطين والكتبة وأصحاب الحوانيت والكيميائيين والفنانين والكتبية
والمعلمين والمؤلفين والفيزيائيين والمحامين والقضاء من غير ذوي الألقاب-إذ أخذنا
هؤلاء جملة باعتبارهم المؤلفين للطبقة البورجوازية، أمكننا أن نفهم كيف أنها في
1789 كانت قد أصبحت أغنى وأنشط شطر من الأمة. ولعلها كانت تملك من الأرض الريفية
قدر ما تهملك طبقة النبلاء(49)، وكان في استطاعتها اكتساب النبالة بمجرد شراء
إقطاعة نبيلة أو وظيفة من وظائف "السكرتيرين"
الكثيرة للملك. وبينا خسرت الطبقة النبيلة النفر والمال بفعل البطالة والإسراف
والتحلل البيولوجي، وخسر الأكليروس والأرض الصلبة بصعود العلم والفلسفة، والحياة
والناموس الأبيقوريين الحضريين، ازدادت الطبقات الوسطى مالاً وقوة بفضل تطور
الصناعة والتكنولوجيا والتجارة والمالية، فملأت بغلاتها أو وارداتها الحوانيت (البوتيكات)
التي أدهش بهاؤها الزوار الأجانب الذين ألموا بباريس أولون أورامس أو بوردو(50).
وبينما كانت الحروب تفقر الحكومة كانت تغني الطبقة البورجوازية التي قدمت النقل
والمواد. وقد انحصرت أكثر الثروة المتعاظمة في المدن؛ وهربت من الفلاحين والعمال
وظهرت أوضح ما تكون في التجار والماليين. فكان أربعون تاجراً فرنسياً يملكون في
1789 ثروة جملتها ستون مليون جنيه(51)، وجمع مصرفي واحد هو باري-مونمارتل مائه
مليون(52).
أما السبب الأساسي في الثورة فهو تلك المفارقة بين الواقع الاقتصادي والنظم
السياسية، وبين أهمية الطبقة البورجوازية في إنتاج الثروة وتملكها وبين إقصائها عن
القوة السياسية. وكانت الطبقة الوسطى الراقية على وعي بقدراتها وحساسة للاستخفاف
بها. وأحفظها انغلاق طبقة النبلاء الاجتماعي ووقاحتها-كما حدث لامرأة ألمعية هي
مدام رولان حين دعيت للمكث حتى تتناول العشاء في بيت أرستقراطي، ثم وجدت الطعام
يقدم لها في جناح الخدم(53).
ولم يكن بالطبقات الوسطى رغبة في الإطاحة بالملكية، ولكنها تطلعت إلى الهيمنة عليها.
ولم يكن بها رغبة قط في الديموقراطية، ولكنها أرادت حكومة دستورية، يمكن أن يحشد
فيه ذكاء جميع الطبقات للتأثير في التشريع والإدارة والسياسة. وقد طالبت بالتحرر من
هيمنة الدولة أو الطوائف النقابية على الصناعة أو التجارة، ولكنها لم تكره الإعانات
المالية الحكومية، أو التأييد من الفلاحين وجماهير المدن لتحقيق أهدافها. وكان لب
الثورة الفرنسية هو إطاحة البورجوازية بالنبلاء والأكليروس، وهي بورجوازية استخدمت
سخط الفلاحين للقضاء على الإقطاعية، وسخط جماهير المدن لشل جيوش الملك. فلما عقد
اللواء للجمعية التأسيسية بعد عامين من الثورة، ألغت نظام الإقطاع، وصادرت أملاك
الكنيسة، وأجازت تنظيم التجار، ولكنها حظرت جميع تنظيمات العمال أو تجمعاتهم (14
يونيو 1791)(54).
|