|
الفلاحون والثورة
كان اكثر العمل الزراعي المؤدى على الخمسة والخمسين في المائة من أرض فرنسا الذي يمتلكه النبلاء ورجال الدين والملك، يؤديه محصصون يأخذون المواشي والأدوات والبزاز من المالك ويدفعون له نصف المحصول عادة. وكان هؤلاء المحاصصون بوجه عام فقراء معدمين حتى لقد حكم آرثر ينج على هذا النظام بأنه "لعنة البلاد بأسرها وخرابها"(16)، ومرد ذلك ضعف الحوافز أكثر من قسوة الملاك. أما أغلبية الملاك الفلاحين الذين زرعوا خمسة وأربعين في المائة من الأرض فقد قضي عليهم بالفقر صغر مساحة أراضيهم، الأمر الذي حد من استعمال الآلات الزراعية استعمالاً رابحاً. وتخلفت التكنولوجيا الزراعية في فرنسا عن نظيرتها في إنجلترا. صحيح كان هناك مدارس زراعية ومزارع نموذجية، ولكن لم يفد منها غير قلة من المزارعين. ولعل ستين في المائة من الملاك الفلاحين كانوا يملكون أقل من الهكتارات الخمسة (نحو ثلاثة عشر فداناً) اللازمة لإعاشة الأسرة، واضطر الرجال للعمل فعلة أجراء على المزارع الكبيرة. وقد ارتفعت أجور فعلة المزارع اثني عشر في المائة بين 1771 و1789، ولكن الأسعار ارتفعت في الفترة ذاتها خمسة وستين في المائة أو أكثر(17). ومع أن الإنتاج الزراعي ارتفع خلال حكم لويس السادس عشر، فإن الأجراء من الفلاحين ازدادوا فقراً، وألفوا برولتارياً ريفية كان في فترات العمالة الراكدة بمثابة معمل تفريخ ينتج حشوداً من المتسولين والمتشردين. وقد ذهب شامفور إلى أنه "لا جدال في أن بفرنسا سبعة ملايين رجل يتسولون، واثني عشر يعجزون عن التصدق"(18). ولعل فقر الفلاحين قد بالغ الرحالة في وصفه لأن أول ما استرعى ملاحظتهم كان الأحوال الظاهرة؛ فهم لم يروا العملة والسلع المخبأة هرباً من عين مقدر الضريبة. وتتضارب التقديرات المعاصرة لهذه الفترة. فقد وجد آرثر ينج مناطق يعمها الفقر والتوحش والقذارة كما في بريتاني، ومناطق فيها الثراء والكبرياء كما في بيارن(19). ويمكن القول عموماً أن الفقر في ريف فرنسا عام 1789 لم يكن مدقعاً كما كان في إيرلندة، ولا أسوأ منه في أوربا الشرقية أو في بعض الأحيان الفقيرة المزدحمة في المدن "الغنية" في وقتنا الحاضر، ولكنه كان أسوأ منه في إنجلترا أو في وادي بو المعطاء أبداً. وتشير أحدث الدراسات إلى أنه "كان هناك أزمة زراعية في نهاية النظام القديم"(20). فإذا جاء القحط والمجاعة، كما حدث في 1788-89 بلغت معاناة الفلاحين لا سيما في جنوبي فرنسا مبلغاً لم ينج فيه نصف السكان من التضور جوعاً إلا بفضل الصداقات التي وزعتها الحكومة والكهنة. وكان على الفلاح أن يدفع ما يفرض عليه أداؤه للدولة والكنيسة والنبلاء. ووقعت ضريبة التاي-أي ضريبة الأرض-كلها تقريباً على كاهله. وكان يقدم كل الرجال اللازمين لمشاة الجيش أو جلهم. وقد تحمل عبء احتكار الحكومة للملح. وكان الفضل لجهده في صيانة الطرق والجسور والقنوات. ولعله كان مؤدياً العشور برضى أكثر-فهو رجل "يخاف الله" والعشور تجبى جباية رحيمة، وندر أن اقتضته عشر دخله بالضبط(21)، ولكنه رأى أكثرها يترك الأبرشية ليعول أسقفاً في بلد ناء، أو كنسياً عاطلاً في البلاط، بل حتى علمانياً اشترى حصة في العشور المستقبلة. وقد خفف لويس السادس عشر عبء الضريبة المباشرة على الفلاح، ولكن الضرائب غير المباشرة زيدت في كثير من الأقاليم(22). فهل كان فقر الفلاح سبب الثورة؟ لقد كان فقره عاملاً درامياً في مركب من أسباب عدة. كان أفقر الفقراء أعجز من أن يثوروا؛ في استطاعتهم أن يرفعوا أصواتهم طلباً للغوث، ولكنهم لا يملكون الوسيلة ولا الهمة لتنظيم الثورة، إلى أن استنفرهم المزارعون الأكثر ثراء وعملاء الطبقة الوسطى، وانتفاضات رعاع باريس. على انه حين وهنت قوى الدولة نتيجة تطور الشعب الفكري، وحين سرت عدوى الأفكار الراديكالية إلى الجيش سرياناً خطراً، وحين لم تعد السلطات المحلية قادرة على الاعتماد على التأييد الحربي يأتيها من فرساي-عندها أصبح الفلاحون قوة ثورية، فتجمعوا، وتبادلوا الشكاوي والعهود، وتسلحوا، وهاجموا القصور الريفية، وأحرقوا بيوت الإقطاعيين المتغطرسين، ودمروا السجلات الإقطاعية التي استشهدوا بها على صحة الحقوق الإقطاعية، هذا العمل المباشر، الذي هدد بتدمير شامل لأملاك الإقطاعيين، هو الذي روع النبلاء فنزلوا عن امتيازاتهم الإقطاعية (4 أغسطس 1789). ووضعوا بذلك نهاية شرعية للنظام القديم.
|