الفلاسفة والثورة


اتفق بيرك، وتوكفيل(123)، وتين(124)، على أن فلاسفة فرنسا، من بيل إلى مابلي، كانوا عاملاً كبيراً في أحداث الثورة. فهل نستطيع قبول النتيجة التي خلص إليها جهابذة المحافظين أولئك؟ لقد كان جميع الفلاسفة المرموقين معارضين للثورة على حكومات أوربا القائمة آنذاك، لا بل إن منهم من وضعوا إيمانهم في الملوك لأنهم أكثر أدوات الإصلاح عملية؛ واحتفظ فولتير، وديدرو، وجريم بعلاقات صداقة، إن لم يكن إعجاب شديد، بواحد أو آخر من أشد الحكام المعاصرين استبداداً-فردريك الثاني، كاترين الثانية، جستاف الثالث؛ وأسعد روسو أن يستقبل يوزف الثاني إمبراطور النمسا. أما ديدرو، وهلفتيوس، ودولباخ، فقد وجهوا النقد العنيف للملوك بصفة عامة، ولكنهم لم يدعوا قط في كتبهم التي بين أيدينا إلى الإطاحة بالملكية الفرنسية(125). وعارض مارمونتيل وموريلليه الثورة في غير مواربة(126)، وجهر مابلي، الإشتراكي بأنه ملكي(127)، أما طورجو معبود جماعة الفلاسفة، فقد جاهد لإنقاذ لويس السادس عشر لا للقضاء عليه. ودعم روسو الأقطار الجمهورية، ولكن لصغار الدول فقط، وقبلت الثورة نظرياته وأغفلت تحذيره. وحين  أقام الثوار نظاماً جمهورياً في فرسنا لم يقيموه على طريقة الفلاسفة الفرنسيين بل أبطال بلوتارخ من اليونان والرومان. ولم تكن قبلتهم فرنيه، بل إسبارطة وروما الجمهورية. أن الفلاسفة وفروا الإعداد الأيدولوجي للثورة. وكانت أسبابها اقتصادية أو سياسية، وعباراتها فلسفية، وقد تيسر للأسباب الأساسية للثورة أن تفعل فعلها بفضل عمل الهدم الذي قام به الفلاسفة لإزالة العقبات القائمة في طريق التغيير، مثل الإيمان بالامتيازات الإقطاعية والسلطة الكنسية، وحق الملوك الإلهي. فقد كانت كل الدول الأوربية حتى عام 1789 تعتمد على معونة الدين في غرس قدسية الحكومات في النفوس، وحكمة التقاليد، وعادات الطاعة، ومبادئ الأخلاق؛ وكانت بعض جذور السلطة الأرضية مغروسة في السماء، واعتبرت الدولة الله رئيس شرطتها السرية. كتب شامفور والثورة تدور رحاها يقول إن "الكهانة كانت أول معقل للسلطة المطلقة، وقد أطاح به فولتير"(128). وذهب توكفيل في 1856 إلى أن "سوء السمعة العام الذي انحدر إليه الإيمان الديني كله في نهاية القرن الثامن عشر كان له ولا ريب أعظم الأثر في سير الثورة برمته"(129). ثم انتقلت الشكوكية التي مزقت اللاهوت القديم شيئاً فشيئاً إلى نقد المؤسسات والشئون العلمانية. وقد ندد الفلاسفة بالفقر والقنية كما نددوا بالتعصب والخرافة، وكافحوا ليقلصوا سلطان أمراء الإقطاع على طبقة الفلاحين. واعترف بعض النبلاء بقوة الانتقادات اللاذعة التي وجهت إليهم، وفقد الكثير منهم الثقة في تفوقهم الطبيعي وحقوقهم المتوارثة. استمع إلى الكونت لوي-فيليب د سيجور": "كنا نقاداً شديدي الاحتقار للعادات القديمة، ولكبرياء آبائنا الإقطاعية ومراسمهم المتزمتة... وشعرنا بالميل إلى أن نتبع في تحمس العقائد الفلسفية التي يجهر بها الكتاب الأذكياء الجسورون. واجتذب فولتير انتباهنا، ومس روسو قلوبنا... ولذنا خفية أن نراهم يهاجمون النظام القديم... فاستمتعنا في وقت واحد بمزايا طبقة النبلاء ومتع الفلسفة الشعبية"(130). وكان من هؤلاء الأشراف الذين وخزهم ضميرهم أشخاص ذوو نفوذ كميرابو الأب والإبن، ولاروشغوكو-لينانكور، ولافاييت، والفيكونت لوي-ماري دنواي، و "فيليب إيجليته" (مساواة)، والدوق أورليان؛ ثم لنذكر المعونة والمساواة اللتين قدمهما لروسو المرشال لكسبورج ولوي فرانسوا البوربوني أمير كونتي. وقد قادت الأقلية اللبرالاية التي حفزتها غارات الفلاحين على الملكة الإقطاعية لقاء تعويضات (4 أغسطس 1789). لا بل إن الأسرة المالكة تأثرت بالأفكار شبه الجمهورية التي أعان الفلاسفة على نشرها. وكان أبو لويس السادس عشر يحفظ عن ظهر قلب فقرات كثيرة من كتاب مونتسكيو "روح القوانين"، وقد قرأ كتاب روسو "العقد الاجتماعي" وحكم بأنه "سليم إلى حد كبير" فيما خلا نقده للمسيحية. وعلم أبناءه (الذين أصبح ثلاثة منهم ملوكاً) أن "أسباب الامتياز التي تحظون بها لم تعطكم إياها الطبيعة، التي خلقت الناس كلهم سواسية"(131). واعترف لويس السادس عشر في مواسيمه بـ "القانون الطبيعي" و "حقوق الإنسان"(132). المترتبة على طبيعة الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً.
وأضافت الثورة الأمريكية مزيداً من المكانة والقدر للأفكار الجمهورية. ولقد استمدت تلك الثورة هي أيضاً قوتها من وقائع الحال الاقتصادية كنظام الضرائب والتجارة، وكان "إعلان استقلالها" مديناً للمفكرين الإنجليز دينه للمفكرين الفرنسيين، ولكن لوحظ أن واشنطن، وفرانكلين وجفرسن، قد تهيأوا لقبول الفكر الحر بفضل جماعة الفلاسفة الفرنسيين. وعن طريق أولئك الأبناء الأمريكيين للتنوير الفرنسي، تدرجت النظريات الجمهورية حتى تمثلت حكومة ظافرة في السلاح، يعترف بها ملك فرنسي، وتمضي في إرساء يدين ببعض الفضل لمونتسكيو. ولقد مرت الثورة الفرنسية بثلاث مراحل. ففي الأولى حاول النبلاء عن طريق البرلمانات، أن يستردوا من الملكية ذلك السلطان الذي انتزعه منهم لويس الرابع عشر، وهؤلاء النبلاء لم يستلهموا جماعة الفلاسفة. وفي المرحلة الثانية ظفرت الطبقات الوسطى بالتحكم في الثورة، وكانت عميقة التشرب بأفكار الفلاسفة، ولكن المعنى الذي فهمته من "المساواة" كان مساواة البورجوازي بالأرستقراطي. وفي المرحلة الثالثة انتزع الرياسة زعماء غوغاء المدينة. وظلت جماهير الشعب متمسكة بالدين، ولكن زعماءهم كانوا قد فقدوا احترامهم للقساوسة والملوك؛ وأحبت الجماهير لويس السادس عشر إلى النهاية، ولكن زعماءهم ضربوا عنقه. وبعد 6 أكتوبر 1789، سيطر اليعاقبة على باريس، وكان روسو إلاههم. وفي 10 نوفمبر 1793 احتفل المتطرفون الظافرون بعيد العقل في كاتدرائية نوتردام. وفي تور أحل الثوار تماثيل جديدة تسمى مابليه، وروسو، وفولتير محل تماثيل القديسين. وفي شارتر عام 1795، في الكاتدرائية الشهيرة، افتتح عيد العقل بدراما أظهر فيها فولتير وروسو متحدين في حملة على التعصب(133). لا سبيل إلى الشك إذن في أن الفلاسفة أثروا تأثيراً عميقاً في أيديولوجية الثورة ودرامتها السياسية. أنهم لم يقصدوا إلى العنف، أو التقتيل، أو الجيلوتين؛ ولو قد شهدوا هذه المناظر الدموية لاقشعروا رعباً، ولربما قالوا بحق إنه قد أسئ فهمهم على نحو قاس، ولكنهم كانوا مسئولين بقدر ما استخفوا بأثر الدين والتقاليد في ضبط الغرائز الحيوانية للبشر. وكانت الثورة الحقيقية أثناء ذلك ماضية في طريقها في ظل تلك الآراء الأخاذة والأحداث المرئية، إذ انتزعت الطبقات الوسطى من الأرستقراطية والملك التسلط على الاقتصاد والدولة، متذرعة بالفلسفة أداة من مائة أداة أخرى في بلوغ غايتها تلك.