|
توفي جستنيان في عام 565 وهو سيد إمبراطورية عظيمة، بعد خمس سنين من وفاته ولد محمد
(صلى الله عليه وسلم) في أسرة فقيرة في إقليم ثلاث أرباعه صحراء مجدية قليلة السكان،
أهله من قبائل البدو الرحل، إذا جمعت ثروتهم كلها فإنها لا تكاد تكفي إنشاء كنيسة
أو صوفيا. ولم يكن أحد في ذلك الوقت يحلم أنه لن يمضي قرن من الزمان حتى يكون أولئك
البدو قد فتحوا نصف أملاك الدولة البيزنطية في آسية، وجميع بلاد الفرس، ومصر، ومعظم
شمالي أفريقية، وساروا في طريقهم إلى أسبانيا. والحق أن ذلك الحادث الجلل الذي
تمخضت عنه جزيرة العرب، والذي أعقبه استيلاؤها على نصف عالم البحر المتوسط ونشر
دينها الجديد في ربوعه، لهو أعجب الظواهر الاجتماعية في العصور الوسطى.
وبلاد العرب أكبر أشباه الجزائر في العالم، ويبلغ أكبر أطوالها 1400 ميل وأكبر
عروضها 1250 ميلاً، وهي من الوجهة الجيولوجية امتداد للصحراء الكبرى، وجزء من
الإقليم الصحراوي الرملي يمتد إلى صحراء جوبي مخترقاً بلاد فارس. ومعنى "عرب" قحل
. وبلاد العرب هضبة واسعة ترتفع على مسافة ثلاثين ميلاً من البحر الأحمر ارتفاعاً
فجائياً إلى 12.000قدم، تنحدر نحو الشرق انحداراً سهلاً في أرض جبلية جدباء حتى تصل
إلى الخليج الفارسي. وفي وسط الجزيرة عدد من الواحات الكلئة، والقرى ذات النخيل،
نشأت حيث يمكن الحصول على الماء بحفر الآبار. وتمتد الرمال حول هذه المراكز مئات
الأميال في جميع الجهات. ويسقط الثلج في تلك البلاد مرة كل أربعين عاماً، وتنخفض
درجة الحرارة فيها بالليل إلى 3o، أما شكس النهار فتلفح الوجوه وتغلي الدم في
العروق، والهواء المحمل بالرمال يضطر الأهلين إلى لبس الأثواب الطوال، وشد غطاء
الرأس بالعقال لوقاية الجسم والشعر. وتكاد المساء تكون على الدوام صافية خالية من
الغيوم، والهواء "يشبه النبيذ البراق". ويسقط المطر أحياناً قرب شاطئ البحر صالحاً
لقيام الحضارة، وأكثر ما يكون ذلك على الساحل الغربي في بلاد الحجاز حيث نشأت بلدتا
مكة والمدينة، وفي الطرف الجنوبي الغربي من بلاد اليمن موطن الممالك العربية
القديمة.
ويسجل نقش بابلي (يرجع تاريخه إلى حوالي عام 2400ق.م). هزيمة لحقت بملك ماجان
على يد نارام سن الحاكم البابلي. وقد كانت ماجان هذه عاصمة المملكة المعينية التي
كانت قائمة في الجنوب الغربي من جزيرة العرب. وقد عُرف خمسة وعشرون من ملوكها الذين
حكموها بعد هذه الهزيمة من نقوش عربية يرجع تاريخها إلى عام 800 ق.م. وثمة نقش آخر
يرجعه بعضهم إلى 2300ق.م وإن كانوا غير واثقين من هذا. وقد ورد في هذا النقش اسم
مملكة عربية أخرى هي مملكة سبأ في بلاد اليمن. ومن سبأ أو من مستعمراتها في القسم
الشمالي من بلاد العرب-لأن هذا موضع خلاف بين المؤرخين-"ذهبت" ملكة سبأ إلى سليمان
حوالي عام 950 ق.م. وقد اتخذ ملوك سبأ مأرب عاصمة لهم، وخاضوا حروب "الدفاع"
المعتادة، وأنشئوا أعمالاً عظيمة للري كسدود مأرب (التي لا تزال آثارها باقية إلى
الآن)، وشادوا الحصون والهياكل الضخمة، ووهبوا كثيراً من المال للشئون الدينية،
واتخذوا الدين وسيلة للحكم(2). والنقوش التي خلفوها-والتي لا ترجع في أغلب الظن إلى
ما قبل عام 900ق.م-منحوتة نحتاً جميلاً بحروف هجائية. وكانت بلادهم تنتج الكندر
والمر اللذين كان لهما أيما شأن في الشعائر الدينية الأسيوية والمصرية، وكانوا
يسيطرون على التجارة بين الهند ومصر، وعلى الطرف الجنوبي من طريق القوافل الذاهب
إلى البتراء وبيت المقدس ماراً بمكة والمدينة. وحدث حوالي عام 115 ق.م أن قامت
مملكة صغيرة أخرى في الجنوب الغربي من بلاد العرب هي مملكة الحميرين، فهاجمت مملكة
سبأ، وغلبتها على أمرها، وظلت بعد هذا الوقت تسيطر على تجارة بلاد العرب عدة قرون.
وفي عام 25 ق.م غضب أغسطس من سيطرة بلاد العرب على التجارة المتبادلة بين مصر
والهند فسير جيشاً بقيادة جالوس Aelius Gallus للاستيلاء على مأرب. وأضل الأدلاء
العرب الفيالق الرومانية، وأهلكهم الحر والمرض، وعجزت الحملة عن تحقيق غرضها، ولكن
جيشاً رومانياً آخر نجح في الاستيلاء على عدن، وانتقلت بذلك السيطرة على التجارة
بين مصر والهند إلى يد روما. (وقد فعل البريطانيون ذلك بعينه في الوقت الحاضر).
وفي القرن الثاني قبل الميلاد عبر بعض الحميريين البحر الأحمر، واستعمروا بلاد
الحبشة، ونشروا الثقافة السامية بين أهلها الزنوج، كما أدخلوا فيها الكثير من الدم
السامي
. وتلقى الأحباش من مصر وبيزنطية الدين المسيحي والصناعات اليدوية والفنون. وكانت
سفنهم التجارية تجوب البحار وتوغل فيها إلى الهند وسرنديب(2). وكانت سبع ممالك
صغيرة تقر بالسيادة للنجاشي
. هذا في الحبشة أما في بلاد العرب نفسها فإن كثيرين من الحميريين ساروا على سنة
ملكهم ذي نواس، واعتنقوا الدين اليهودي، واندفع ذو نواس في حماسته الدينية فأخذ
يضطهد المسيحيين المقيمين في الجنوب الغربي من جزيرة العرب، فاستغاث هؤلاء ببني
دينهم، واستجاب الأحباش إلى دعوتهم، وهزموا ملوك الحميريين (522م)، وأجلسوا على عرش
البلاد أسرة حبشية. وتحالف جستنيان مع الدولة الجديدة، ورد الفرس على هذا بأن
انحازوا إلى جانب ملوك حمير المخلوعين وطردوا الأحباش، وأقاموا في بلاد اليمن حكماً
فارسياً (575) انتهى بعد ستين عاماً أو نحوها حين فتح المسلمون بلاد الفرس.
وازدهرت بعض الممالك العربية الصغرى في الجزء الشمالي من شبه الجزيرة، ولكنها لم
تدم طويلاً. فقدد ظل مشايخ بني غسان يحكمون الجزء الشمالي الغربي والقسم المحيط
بتدمر من بلاد سوريا من القرن الثالث إلى القرن السابع تحت سيادة بيزنطية. وأنشأ
ملوك بني لحم في الحيرة القريبة من بابل في هذا الوقت عينه بلاطاً نصف فارسي،
وتقفوا ثقافة فارسية اشتهرت بموسيقاها وشعرها. ويرى من هذا أن العرب انتشروا شمالاً
في سوريا والعراق قبل الإسلام بزمن طويل.
وكان النظام السياسي السائد في بلاد العرب قبلا الإسلام، إذا استثنينا هذه الممالك
الصغرى في الجنوب والشمال، وهو النظام البدائي الذي يقوم على رابطة القرابة والذي
تجتمع الأسر بمقتضاه في عشائر وقبائل. بل إن هذه الممالك الصغرى نفسها لم تكن تخلو
من قسط كبير من هذا النظام القبلي. وكانت القبيلة تسمى باسم أب لها مزعوم عام،
فالغساسنة مثلاً كانوا أنهم "أبناء غسان"، ولم يكن لبلاد العرب بوصفها وحدة سياسية
وجود قبل عصر النبي إلا في مسميات اليونان غير الدقيقة، فقد كانوا يسمون جميع
الساكنين في شبه الجزيرة باسم السركنوي Sarakenoi، ومن هذا الاسم اشتق اللفظ
الإنجليزي Saracens، ويلوح أنه هو نفسه مشتق من لفظ "الشرقيين" العربي. وكانت
قلة سبل الاتصال وصعوبتها مما اضطر أهل البلاد إلى أن يعملوا على الاكتفاء بأنفسهم
من غيرهم، كما أنهما كانتا سبباً في نمو روح العزلة فيهم، فالعربي لم يكن يشعر
بواجب أو ولاء لأية جماعة أكبر من القبيلة، وكانت قوة ولائه تتناسب تناسباً عكسياً
مع سعة الجماعة التي يدين لها بهذا الولاء، فلم يكن يتردد في أن يقدم وهو مرتاح
الضمير على ما لا يقدم عليه الرجل المتحضر إلا من أجل بلاده أو دينه أو "عنصره"، أي
أن يكذب، ويسرق، ويقتل، ويموت. وكان يحكم كل قبيلة أو بطن من القبيلة شيخ يختاره
رؤساء العشائر فيها من بيت اشتهر من زمن بعيد بثرائه، أو سداد رأيه، أو شدة بأسه في
القتال.
وكان الرجال في القرى ينتزعون بعض الحب والخضر من التربة الضنينة، ويربون بعض
الماشية القليلة العدد، وبعض الجياد الكريمة، ولكنهم كانوا يجدون أن زراعة بساتين
النخيل، والخوخ، والمشمش، والرمان، والليمون، والبرتقال، والمز، والتين أجدى لهم
وأعود بالربح عليهم. ومنهم من كان يعنى بزراعة النباتات العطرة كالكندر، والسعتر،
والياسمين، والخزامي، وكان بعضهم يستخرجون العطر من ورد الجبال، وبعضهم يحفرون
سيقان الأشجار ليستخرجوا منها المر أو البلسم. وربما كان جزء من اثني عشر جزءاً من
السكان يعيشون في المدن القائمة على الساحل الغربي أو بالقرب منه. وكان في هذا
الساحل عدد من المرافئ والأسواق تتبادل منها تجارة البحر الأحمر. وفي داخل البلاد
كانت تسير طرق القوافل الكبرى إلى بلاد الشام.
ونحن نسمع عن تجارة بين بلاد العرب ومصر منذ عام 2743م؛ وأكبر الظن أن الاتجار مع
الهند لم يكن يقل قدماً عن الاتجار مع مصر. وكانت الأسواق والمواسم السنوية تستدعي
التجار إلى هذه تارة وإلى تلك تارة أخرى، وكان يجتمع في سوق عكاظ الشهيرة القريبة
من التجار، والممثلين، والخطباء، والمقامرين، والشعراء، والعاهرات.
وكان خمسة أسداس السكان بدواً رحلاً، يشتغلون بالرعي وينتقلون بقطعانهم من مرعى إلى
مرعى حسب فصول السنة وأمطار الشتاء. والبدوي يحب الخيل، ولكن الجمل أعز أصدقائه في
الصحراء، فهو يسير ويهتز في وقار، وإن كان لا يقطع إلا ثمانية أميال في الساعة،
ولكنه يستطيع أن يصبر على الماء خمسة أيام طوال في الصيف، وخمسة وعشرون يوماً في
الشتاء. والناقة تدر اللبن، وبول الجمل مفيد في تقوية الشعر
، وروثه يمكن أن يُتخذ وقوداً، وإذا ذُبح أكل لحمه، وصُنعت الثياب والخيام من جلده
ووبره. وبهذه المقومات المختلفة الأنواع كان في وسع البدوي أن يواجه حياة الصحراء
متجلداً كجمله، مرهف الحس نشيطاً كجواده. والبدوي قصير القامة، نحيف الجسم، مفتول
العضلات، قوي البنية، في وسعه أن يعيش أياماً متوالية على قليل من التمر واللبن،
وكان يستخرج من البلح نفسه خمراً يرتفع بها من تراب الأرض إلى خيال الشعراء. وكان
يدفع عن نفسه ملل الحياة الرتيبة وسآمتها بالحب والحرب، وكان يسرع كما يسرع
الأسباني (الذي ورث عنه سرعة غضبه) إلى الانتقام لما عساه أن يوجه إليه أو إلى
قبيلته من إهانة أو أذى. وكان يقضي جزءاً كبيراً من حياته في الحرب التي تستعر
نارها بين القبائل المختلفة، ولما أن فتح بلاد الشام، وفارس، ومصر، وأسبانيا لم يكن
عمله هذا إلا توسعاً منه في غارات النهب التي كان يشنها في أيام الجاهلية وإن اختلف
الغرض في هذه عن تلك.
وكان من بعض أوقات السنة هدنة مقدسة للحج أو للتجارة، أما في غير هذه الأوقات فكان
يرى أن الصحراء ملكه الخاص، وأن كل من يدخلها في غير هذه الأشهر الحرم ومن غير أن
يؤدي له ما يفرضه من إتاوة، معتد عليه معلى وطنه، وأن نهب أموال هذا المعتدي ليس
إلا ضريبة تُجبى منه بأهون السبل, وكان يحتقر حياة الحضر، لأن معناها الخضوع لمطالب
القانون والتجارة، ويحب الصحراء القاسية لأنه يتمتع فيها بكامل حريته، وكان البدوي
رحيماً وسفاكاً للدماء، كريماً وبخيلاً، غادراً وأميناً، حذراً وشجاعاً، ومهما يكن
فقيراً، فإنه كان يواجه العالم بمهابة وأنفة، ويزهو بنقاء دمه ويولع بأنه يضيف إلى
اسمه سلسلة نسبه.
كان لدى البدوي أمر لا يقبل فيه جدلاً، ذلك هو جمال نسائه الذي لا يدانيه في نظره
جمال. لقد كان جمالاً أسمر، قوياً، يفتن اللب، خليقاً بأن يتغزل فيه بعشرات المئات
من الأغاني الشعرية، ولكنه جمال قصير الأجل سرعان ما يذوى في جو الصحراء القائظ.
وكانت حياة المرأة العربية قبل أيام النبي تنتقل من حب الرجل لها حباً يقترب من
العبادة إلى الكدح طوال ما بقي من حياتها، ولم تتغير هذه الحياة فيما بعد إلا قليلاً
. وكان في وسع أبيها أن يئدها حين مولدها إذا رغب في هذا، فإن لم يفعل فلا أقل من
أن يحزن لمولدها، ويواري وجهه خجلاً من الناس، لأنه يحس لسبب ما أن جهوده قد ذهبت
أدراج الرياح، وكانت طفولتها الجذابة تستحوذ على قلبه بضع سنين، ولكنها حين تبلغ
السنة السابعة أو الثامنة من عمرها كانت تُزوج لأي شاب من شبان القبيلة يرضى والده
أن يؤدي للعروس ثمنها
. وكان حبيبها وزوجها يحارب العالم كله إذا لزم الأمر ليحميها، أو يدافع عن شرفها.
وقد انتقلت بعض مبادئ هذه الشهامة المتطرفة مع
|