|
الموسيقى كتب موتسارت من باريس في أول مايو 1778: "من حيث الموسيقى أراني محاطاً بوحوش ضارية
لا أكثر... سل أي شخص شئت-شريطة ألا يكون فرنسي المولد-فإذا كان له أي علم بالموضوع
أجاب بهذا الجواب بالضبط.. سأكون شاكراً الإله القدير إذا هربت دون أن يفسد ذوقي"(56). وهذا الحكم صارم ولكن جريم وجولدوني وافقا عليه(57). إلا أن هؤلاء النقاد
الثالثة كانوا كلهم أجانب. وقد عكس الذوق الموسيقي للباريسيين من علية القوم آدابهم،
فمال إلى القصد في التعبير والرتابة في الشكل، وظل يردد أصداء عصر لويس الرابع عشر.
ومع ذلك ففي هذه السنوات الأولى للحكم الجديد بالضبط فقد نصف الباريس قصدهم، وربما
آدابهم، في وطيس المعركة الدائرة حول بكيني وجلوك. تأمل رسالة جولي ليسبيناس
المؤرخة 22 سبتمبر 1774، "أنني أشاهد باستمرار "أورفي وأوريديتشي" وأنا تواقة إلى
الاستماع مراراً وتكراراً في اليوم لذلك اللحن الذي يمزق نياط قلبي "لقد فقدت
حبيبتي أوريديتشي"(58). أن باريس لم تكن صماء لا تستطيب الموسيقى، وإن زاد ما
استوردته منها على ما أنتجته.
وفي 1751 قدم فرانسوا-جوزف جوسيك، البالغ سبعة عشر ربيعاً، من موطنه هاينو إلى
باريس يحمل خطاب تقديم إلى رامو. وحصل له الفنان العجوز على وظيفة قائد للأوركسترا
الخاص الذي يديره الكسندر-جوزف دلابويلنيير. وألف جوسيك لهذه "الفرقة" (1754 وما
بعدها) سمفونيات سبقت سمفونية هيدن الأولى بخمس سنوات، وفي 1754 نشر رباعيات سبقت
رباعية هيدن بسنة. وفي 1760 قدم في كنيسة سان روش "قداس الموتى" الذي استحدث فكرة
العزف على آلات نفخ "التوبا" خارج الكنيسة. ولم يكن لإقدام جوسيك وتعدد مواهبه
نهاية. ففي 1784 أسس "مدرسة الغناء الملكية"، التي أصبحت نواة كونسرفتوار باريس
الموسيقي الذائع الصيت. وقد حقق نجاحاً متواضعاً في الأوبرا، الهازلة منها والجادة.
ثم تكيف مع الثورة، وألف بعضاً من أشهر أغانيها، ومنها "ترنيمة للكائن الأعلى"
لاحتفال روبسبيير (8 يونيو 1794). وعمر بعد انحسار جميع الموجات السياسية، ومات في
1829 بالغاً من العمر خمسة وثمانين عاماً.
أما أبرز شخصية في أوبرا ذلك العهد الفرنسية فهو أندريه جريتري. وكان أجنبياً
ككثيرين غيره من أقطاب الموسيقى الفرنسية في القرن الثامن عشر، فقد ولد في لبيج عام 1741 لعازف كمان. ويروى أنه في ألو مرة تناول
القربان طلب إلى الله أن يدعه يموت لتوه ما لم يكتب له أن يكون رجلاً صالحاً
وموسيقياً عظيماً. في ذلك اليوم سقطت عارضة خشبية على رأسه وجرحته جرحاً خطيراً، ثم
تماثل للشفاء، واستنتج أن السماء تعده بمستقبل سام(59). وكان منذ عامه السادس عشر
يعاني دورياً من نزيف داخلي، يتقيأ فيه ستة أقداح من الدم في اليوم، وكان عرضة
للإصابة بالحمى وبالهذيان ينتابه بين الحين والحين، وكاد أحياناً يجن لعجزه عن وقف
نغمة موسيقية من التردد في رأسه دون توقف. ولعلنا نغتفر حتى الموسيقى الرديئة لرجل
لقي كل هذا العذاب واحتفظ رغم ذلك بابتهاجه طوال اثنتين وسبعين سنة.
وحين كان في السابعة عشرة ألف ست سموفنيات كانت من الجودة بحيث حصلت له من كاهن
إحدى الكاتدرائيات على المال اللازم لسفره إلى روما. وقطع الطريق كله على قدميه
فيما روته "المذكرات" الجذابة التي نشرها عام 1797(60)، وخلال الأعوام الثمانية
التي أقام فيها بروما حمله نجاح برجوليزي على تأليف الأوبرات الهازلة. فلما جاء
باريس (1767) لقي التشجيع من ديدرو، وجريم وروسو. ودرس فن الآنسة كليرون المسرحي،
واكتسب مهارة غير عادية في مواءمة موسيقاه لنبرات الحديث الدرامي وتغيراته، وحقق في
أوبراته رقة ونعومة غنائيين كأنهما انعكاس لروح روسو، وللعودة إلى البساطة ورقة
العاطفة في الحياة الفرنسية. وظل محتفظاً بشعبيته طوال الثورة، التي أمرت بنشر
مؤلفاته على نفقة الحكومة، وكانت الجموع الثورية تتغنى بألحان من أوبراته. وقد منحه
نابليون معاشاً. وقد أحبه الجميع لأن حظه من وصمات العبقرية كان ضئيلاً؛ فهو رقيق
القلب، ودود، أنيس، متواضع، يذكر منافسيه بالخير، ويؤدي ديونه. وقد أحب روسو مع أن
روسو أساء إليه، واشترى الإرميتاج في شيخوخته، وهو الكوخ الذي أقام فيه روسو من قبل.
في ذلك الكوخ، في 24 سبتمبر 1813، بينما كان نابليون يحارب أوربا كلها، مات جريتري.
|