|
الملك الطيب كان لويس النقيض لزوجته في كل شيء إلا السن. وكانت رشيقة، سريعة الخاطر، خفيفة الحركة، لعوباً، مندفعة، جياشة، طائشة، مسرفة، مؤكدة لذاتها، متكبرة، ملكة دائماً؛ وكان بطئ الحركة، بليداً، متردداً، رزيناً، هادئاً، كادحاً، مقتصداً، متواضعاً، عديم الثقة بنفسه، كل ما فيه ينطق بأنه ليس ملكاً. كان يحب النهار، وعمله، وصيده، وكانت تهوى الليل، ومائدة القنار، والمرقص. ومع ذلك لم يكن زواجهما بالزواج التعس بعد سنوات التجربة الأولى تلك، فقد كانت الملكة وفية لزوجها، والملك شغوفاً بزوجته، وحين جاء الحزن أحكم الجمع بينهما في شخص واحد. كانت قسماته سوية، ولعله كان يكتسب الوسامة لو حد من وزنه. وكان طويل القامة، خليقاً بأن يكون له سمات الملوك لولا أن شاب مشيته كتفان متأرجحتان وخطوة ثقيلة. وكان يشكو ضعفاً في بصره زاده ارتباكاً وثقل الحركة، وندر أن كان شعره منتظماً. ذكرت مدام كمبان أن "شخصه كان مهملاً جداً"(54) وكان مفتول العضل قوي البدن، وقد رفع مرة أحد أتباعه بذراع واحدة. وكان نهماً، معتدلاً في شرابه، ولكنه كان أحياناً يثمل بالطعام، فيقتضي الأمر إعانته على الذهاب إلى فراشه(55). وكان له هوايات قليلة، ونشوات طرب قليلة، وساعات ألم مفرط قليلة. ولم يكن شعوره شعور الراحة واليسر مع الفرنسيين المحيطين به، الذين دربوا على يقظة الذهن وسرعة البديهة في الحديث؛ على أنه في أحاديثه الخاصة وقع موقعاً طيباً من رجال كيزوف الثاني بفضل سعة معرفته وسداد حكمه. استمع إلى الأمير هنري البروسي، شقيق فردريك الأكبر يقول: "إن الملك أدهشني... فلقد أنبئت أن تعليمه قد أهمل، وأنه لا يعرف شيئاً، وأنه قليل الذكاء. ولكني ذهلت أن أرى وأنا أتحدث معه أنه يعرف الجغرافيا معرفة جيدة جداً، وأن له أفكاراً صائبة في السياسة، وأن سعادة شعبه كانت دائماً ماثلة في فكره، وأنه يفيض بالإدراك السليم الذي هو في الملك أعظم قيمة من الذكاء اللامع، ولكنه كان مسرفاً في عدم الثقة بنفسه"(56). وكان لويس يقتني مكتبة حسنة أفاد منها، فقرأ وترجم جزءاً من كتاب جبون "اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها"(57)، ولكنه نحاه عنه حين تبين نزعته المعارضة للمسيحية. وقرأ وأعاد قراءة كتاب كلارندون "تاريخ التمرد" كأنه يحس في دخيلة نفسه بأنه سيكرر مصير تشارلز الأول. قال "لو كنت في مكانه لما امتشقت الحسام قط في وجه شعبي"(58). ولكي يرشد رحلة بيروز الباسفيكية (1785) كتب تعليمات مفصلة نسبها وزراؤه إلى علماء أكاديمية العلوم(59). وكان على صلة وثيقة بمختلف وزرائه لا سيما في الشئون الخارجية. وأعجب واشنطن وفرانكلين بسداد حكمه(60). وكانت نواحي ضعفه في الإرادة في الفكر، ولعلها ارتبطت بثقل غذائه ووزنه. ومن أهم صفاته عجزه عن مقاومة الإلحاح أو الخلوص من التفكير إلى التنفيذ. وكان هو نفسه يمارس الاقتصاد، ولكن كان فيه من اللطف ما منعه من فرضه على الآخرين، وكان يوقع بالموافقة على صرف مئات اللوف من الفرنكات استجابة لأمر زوجته. على أن الفضائل لم تعوزه. فهو لن يتخذ خليلة، وكان فيه وفاء لأصدقائه ربما باستثناء طورجو "أغلب الظن أنه لم يفقه غير طورجو من رجال جيله في حب الشعب أعظم حب"(61). ففي يوم اعتلائه العرش أمر المراقب العام للمالية بتوزيع 200.000 فرنك على الفقراء، وأضاف "إن وجدت هذا أكثر مما تسمح به حاجات الدولة فخذه من راتبي"(62). وقد منع جمع "ضريبة التتويج" التي كانت تجعل من استهلال حكم الملك عبئاً جديداً على الأمة. وفي 1784 حين كانت باريس تعاني من الفيضانات والأوبئة، خصص ثلاثة ملايين من الفرنكات لإعانة الشعب. وخلال شتاء قارس البرد للفقراء يوماً بعد يوم بأن يغيروا على مطبخه ويصيبوا منه طعاماً. وكان مسيحياً لقباً، وواقعاً، والتزاماً بالشعائر، فكان يتبع كل الطقوس الكنسية وقواعدها بحذافيرها، ويصوم الصيام الكبير كله رغم ولعه بالطعام. وكان متديناً دون التعصب أو إعلان عن النفس، فهو الذي منح الحقوق المدنية لبروتستانت فرنسا رغم سنيته وتدينه. وقد حاول التوفيق بين المسيحية والحكم، وذلك أمر ليس في الدنيا أصعب منه. وكان عليه أن يعيش عيشة الملك مظهراً رغم حبه البساطة، فيجوز مراسم استيقاظ الملك Levée ويدع الاتباع والحاشية يلبسونه ثيابه، ويتلو صلوات الصباح في حضرتهم، ويستقبل الناس، ويرأس المجلس الملكي، ويصدر المراسم، ويحضر حفلات الغداء أو العشاء، والاستقبال، والرقص-مع أنه لم يكن يرقص. ولكنه عاش كأي مواطن صالح على قدر ما سمح به منصبه وشهيته. وقد وافق روسو على أن من واجب كل إنسان أن يتعلم حرفة يدوية، فتعلم عدة حرف، من صناعة الأقفال إلى البناء. وتخبرنا مدام كمبان أنه "سمح لصانع أقفال من عامة الشعب بدخول مسكنه الخاص، وكان يصنع معه المفاتيح والأقفال، وكثيراً ما كانت يداه اللتان اسودتا من هذا الضرب من العمل مثار لوم بل توبيخ حاد من الملكة في حضرتي"(63). وكان يستهويه كل شيء يتصل بالبناء، فيعين عمال القصر على نقل المواد، والعوارض، وبلاط الرصف. وكان يحب أن يقوم بترميم ما يحتاج إلى ترميم في مسكنه بيديه هو، وكان زوجاً صالحاً كأزواج أوساط الناس. وقد احتوت إحدى حجراته على أدوات الجغرافيا، والكرات الأرضية، والخرائط الجغرافية-التي رسم بعضها بنفسه؛ واحتوت حجرة أخرى أدوات للشغل في الخشب، وجهزت ثالثة بكير وسندان، وأشتات كثيرة من الأدوات الحديدية. وقد عكف شهوراً على صنع ساعة حائط ضخمة تسجل الشهور واوجه القمر والفصول والسنين. وشغلت مكتبته عدة حجرات. وقد أحبته فرنسا، حتى إلى موته وبعد موته، لأن الذي أعدمه بالجليوتين في 1793 لم تكن فرنسا بل باريس. وفي تلك السنين الأولى كان الترحيب به عاماً تقريباً. كتب فردريك الأكبر لدالامبير "أن لديكم ملكاً طيباً جداً، وأنا أهنئكم عليه من كل قلبي. فالملك الحكيم الفاضل خليق بأن يخشاه منافسوه أكثر من ملك لا يملك من الفضائل غير الشجاعة". وأجاب دالمبير "أنه يحب طيبة القلب، والإنصاف، والاقتصاد، والسلام... أنه بالضبط ما كان ينبغي أن نصبوا إليه في ملكنا لو لم يمنحنا إياه قدر كريم"(64). ووافق فولتير على هذا الرأي: "كل ما صنعه لويس منذ توليه العرش حببه لفرنسا"(65). وقد استعاد جوته في شيخويخه ذكر هذا الاستهلال الميمون: "في فرنسا أبدى ملك جديد خيرّ أحسن النوايا. لتكريس نفسه للقضاء على مفاسد كثيرة، ولتحقيق أنبل الأهداف، وهي إدخال أسلوب في الاقتصاد السياسي من تظن وكفء، والاستغناء عن كل سلطة تعسفية، والحكم بالقانون والعدالة وحدهما. وقد عمت الدنيا أبهج الآمال، ووعد الشباب الواثق نفسه والنوع الإنساني كله بمستقبل زاهر مشرق"(66).
|