|
في 4 مايو تحرك النواب في موكب مهيب للاستماع إلى القداس في كنيسة القديس لويس:
يتقدمهم كهنة فرساي، ويليهم ممثلو الطبقة الثالثة في ثياب سوداء، ثم نواب الأشراف
في ثيابهم الواهية وقبعاتهم المزينة بالريش، ثم النواب الكنسيون، ثم الملك والملكة
يحيط بهما أفراد الأسرة الملكة. وازدحم أهل المدينة في الشوارع والشرفات وأسطح
المنازل،وصفقوا لممثلي العامة، وللملك ولدوق أورليان، واستقبلوا بالصمت
النبلاء، ورجال الأكليروس، والملكة، وكان كل إنسان (عدا الملكة) سعيداً ذلك اليوم،
لأن الأمل الذي تطلع إليه الكثيرون قد تحقق. وبكى الكثيرون، من بين النبلاء، ولمرأى
الأمة المنقسمة وقد بدت متحدة.
وفي 5 مايو اجتمع النواب في "قاعة الملاهي الصغير الضخمة، الواقعة على نحو أربعمائة
ياردة من القصر الملكي. وبلغ عددهم 621 من العامة، و308 من الأكليروس، و285 من
النبلاء (وفيهم عشرون من نبلاء الرداء. أما النواب الكنسيون فكان نحو ثلثيهم من أصل
شعبي، وقد اختار كثيرون من هؤلاء الوقوف في صفة العامة. وكان نص النواب الطبقة
الثالثة تقريباً من المحامين، وخمسة في المائة من أرباب المهن،وثلاثة عشر في المائة
من رجال العمال، وثمانية في المائة يمثلون الفلاحين(63). ومن رجال الأكليروس أسقف
أوتان، شارل-موريس دتاليران-بيريجو، الذي وصفه ميرابو وصفاً سبق بعبارة نابليون "الوحل
في جوارب حريرية" فقال عنه "رجل خسيس، جشع، سافل، دساس، لا يشتهي غير الوحل والمال،
يبيع روحه في سبيل المال، وهو إن فعل كان على حق، لأنه عندها سيأخذ الذهب بدل كومة
من الروث"(64)، ولم يكن في هذا الوصف إنصاف لذكاء تاليران الطيع. وكان بين النبلاء
عدة رجال دعوا إلى الإصلاحات الجوهرية: لافاييت، وكوندرسيه، ولاللي-ولندال، وفيكونت
نواي، وأدواق أورليان، وايجيون، ولاروشفوكو-ليانكور. وقد انضم معظمهم إلى سييس،
وميرابو، وغيرهم من نواب لطبقة الثالثة في جمعية الثلاثين" التي قامت بدور الجماعة
المنظمة للإجراءات اللبرالية" ومن أبرز نواب الطبقة الثالثة ميرابو، وسييس، ومنييه،
وبارناف، والفلكي جان بابي، ومكسمليان روبسبيير. وكان هذا الجمع في مجموعه أبرز
تجمع سياسي في التاريخ الفرنسي، وربما في التاريخ الحديث بأسره. وتطلعت النفوس
الكريم في طول أوربا وعرضها لهذا الحشد عساه أن يرفع لواء ينضوي تحته المظلومون في
كل أمة. وافتتح الملك الجلسة الأولى بخطاب موجز اعترف فيه صراحة بما تعانيه حكومته
من كرب مالي نسبه إلى "حرب غالية التكلفة ولكنها شريفة" وطلب "زيادة في الضرائب"
وأبدى الأسف على "الرغبة المغالية في التجديد". ثم تبعه نكير بخطاب استغرق ثلاث
ساعات واعترف فيه بعجز بلغ 65.150.000 جنيه (حقيقة الأمر أنه بلغ 150.000.000) وطلب
الموافقة على قرض قدره 80.000.000 جنيه. وتململ النواب من الإحصاءات المرهقة للذهن،
وكان أكثرهم يتوقع من الوزير اللبرالي أن يبسط برنامجاً للإصلاح.
ثم بدأ صراع الطبقات في الغد، حين انفرد كل من طبقة النبلاء والأكليروس بقاعة
منفصلة وشق جمهور الشعب الآن طريقه عنوة إلى قاعة الملاهي الصغيرة، وسرعان ما أخذ
يؤثر في أصوات النواب بإعرابه القوي-المنظم عادة-عن الاستحسان أو الاعتراض. ورفضت
الطبقة الثالثة أن تعترف بنفسها هيئة منفصلة، وانتظرت في تصميم أن تنضم إليها
الطبقتان الأخريان ويتم التصويت بالطبقات-أي بصوت لكل طبقة-جزء من الدستور الملكي
لا يمكن تغييره "ذلك أن إدماج الطبقات الثلاث في طبقة واحدة والسماح بالتصويت
الفردي، في جمعية تؤلف الطبقة الثالثة الآن نصف مجمعها وفي استطاعتها دون عناء أن
تكسب التأييد من صغار الأكليروس هذا كله معناه تسليم عقل فرنسا وخلقها لمجرد الكثرة
العددية والإرادة البرجوازية. أما مندوبو الأكليروس المنقسمون بين محافظين وأحرار،
فلم يتخذوا موقفاً من الطرفين، منتظرين أن تهديهم الأحداث إلى أفضل. ومضى شهر على
هذه الحال.
وكان سعر الخبز أثناء ذلك يواصل ارتفاعه برغم محاولات نكير لضبطه،وخطر العنف
الجماهيري يتزايد. وتدفق فيض من النشرات، فكتب آرثر ينج في 9 يونيو يقول: "أن
الحركة التجارية المتزايدة الآن في حوانيت باريس التي تبيع النشرات لا تصدق. ولقد
ذهبت إلى الباليه رويال لأرى
ما جد نشره ولأحصل على قائمة بكل ما نشر ووجدت أن كل ساعة تلد جديداً. فقد صدر من
النشرات اليوم ثلاث عشرة، وأمس ست عشرة، وفي الأسبوع الماضي اثنتان وتسعون.. وتسع
عشرة من عشرين من هذه النشرات يناصر الحرية، ويناوئ الأكليروس والنبلاء عادة... ولا
يصدر أي رد عليه"(65).
وفي 10 يونيو أوفد نواب الطبقة الثالثة لجنة إلى النبلاء والأكليروس تكرر دعوتهم
إلى اجتماع موحد،وتصرح بأنه إذا واصلت الطبقتان لاجتماع منفصلتين فإن الطبقة
الثالثة ستأخذ في تشريع للأمة بدونهم.ووقع التصدع في صراع الإرادات الجماعية في 14
يونيو، حين انضم تسعة من كهنة الأبرشيات إلى نواب العامة. وفي ذلك اليوم انتخبت
الطبقة الثالثة، بأي رئيساً لها، ووضعت لنفسها نظاماً للمناقشة والتشريع. وفي اليوم
الخامس عشر اقترح سييس أن يطلق النواب المجتمعون في قاعة الملاهي الصغير-الذين
يمثلون ستة وتسعين في المائة من الأمة-على أنفسهم اسم "جمعية نواب الأمة الفرنسية
المعترف بهم ولثابتة صحة عضويتهم. ورأى ميرابو أن العبارة فضفاضة ولا بد أن الملك
سيرفضها. وبدلاً من أن يتراجع سييس، بسط الاسم المقترح فجعله "الجمعية الوطنية"،
وكذلك تمت الموافقة على الاسم الجديد بأغلبية 491 مقابل 89 صوتاً(66). وقد غير هذا
الإعلان الملكية المطلقة تلقائياً إلى ملكية مقيدة،وأنهى السلطات التي امتيازاتها
الطبقات العليا، وشكل-من الناحية السياسية-بداية الثورة.
ولكن هل يقبل الملك هذا الغض من سلطته؟ ولكي تعطفه الجمعية الوطنية للقبول قررت أن
جميع الضرائب القائمة ينبغي دفعها كالسابق إلى أن تحل الجمعية، وبعدها لا تدفع
ضرائب إلا ما أذنت به الجمعية؛ وأن الجمعية ستنظر بأسرع ما تستطيع في أسباب عجز
الخبز وعلاجه؛ وأنها بعد قبول دستور جديد ستتكفل بديون الدولة وتوافق على سدادها،
وقد استهدف أحد هذه القرارات تهدئة القائمين بالشغب، وسعى آخر
إلى كسب تأييد حاملي السندات الحكومية، وقد وضعت كلها بمهارة لتقلل من مقاومة الملك.
واستشار لويس مجلسه. فحذره نكير من أن مجلس الطبقات سينهار ما لم تذعن الطبقتان
المميزتان، وأن الضرائب لن تدفع، وأن الحكومة ستصبح مفلسة لا حول لها ولا قوة.
واعترض وزراء آخرون بأن التصويت الفردي سيكون معناه دكتاتورية الطبقة الثالثة
وإصابة طبقة النبلاء بالعجز السياسي. وقرر لويس أن يقاوم الجمعية الوطنية لأنه شعر
أن عرشه يعتمد على النبلاء والأكليروس. وقدم نكير استقالته بعد أن هزم. ولكن الملك
أقنعه بالبقاء لعلمه بأن الشعب سيقاوم خطوة كهذه.
واقتضت "الجلسة الملكية" المقررة تجهيز قاعة الملاهي الصغيرة بترتيبات مادية جديدة
فأرسلت الأوامر بإجراء هذه الترتيبات إلى مهرة صناع القصر دون إشعار الجمعية. فلما
حاول نواب الطبقة الثالثة دخول القاعة في 20 يونيو وجدوا أبوابها مغلقة مشغولاً
بالصناع. واعتقد النواب أن الملك يخطط لطردهم. فانتقلوا إلى ملعب للتنس مجاور (وصلة
ملعب التنس وأقسموا يمينا صنعت التاريخ.
"حيث أن الجمعية الوطنية دعيت لوضع دستور المملكة، ولإحداث التجديد في النظام العام،
ولصيانة المبادئ الصحيحة للنظام الملكي، وحيث أنه ما من شيء يقوى على منعها من
مواصلة مداولاتها في أي مكان تضطر إلى الاجتماع فيه؛ وأخيراً، بما أنه حيثما اجتمع
أعضاؤها فهناك تكون الجمعية الوطنية، لذلك تقرر الجمعية أن يقسم جميع أعضائها يميناً
مغلظة بألا يتفرقوا، وأن يعاودوا الاجتماع كلما دعت الظروف، حتى يستقر حال المملكة،
ويرسى على أسس مكيفة،وانه بعد حلف اليمين المذكورة سيصدق جميع الأعضاء، وكل منهم
بمفرده، على هذا القرار الثابت بالتوقيع عليه"(67).
وقد وقع جميع النواب الحاضرين وعددهم 557 نائباً وعشرون مناباً إلا اثنين، ثم وقع
في تاريخ لاحق خمسة وخمسون أخر وخمسة قساوسة. فلما أن ترامى نبأ هذه الأحداث إلى
باريس احتشد جمع غاضب حول الباليه-رويال وأقسموا على الدفاع عن الجمعية لوطنية أياً
كان الثمن. وفي فرساي بات من الخطر على أي شريف أو أسقف أن يظهر في الشوارع، وقد
لقي عدد منهم معاملة خشنة، ولم ينج رئيس أساقفة باريس بجلده إلا حين وعد بأن ينضم
إلى الجمعية. وفي 22 يونيو اجتمع النواب الذي أقسموا اليمين في كنيسة سان لوي، وهنا
انضم إليهم بعض النبلاء و149 من النواب الكنسيين البالغ عددهم 308.
وفي 23 يونيو اجتمع نواب الطبقات الثلاث في قاعة الملاهي الصغيرة ليستمعوا إلى
الملك.وطوق الجنود القاعة. وتخلف نكير عن الحضور مع الحاشية الملكية على النحو واضح.
وتكلم لويس فأوجز، ثم أناب وزيراً في قراءة قراره. وقد رفض القرار دعوى النواب
الذين أعلنوا أنفسهم جمعية وطنية باعتبارها غير قانونية وباطلة. وسمح باجتماع موحد
للطبقات الثلاث، وبالتصويت الفردي على المسائل التي لا تؤثر في هيكل فرنسا الطبقي،
ولكن يحظر أي عمل يمس "الحقوق القديمة والدستورية... للملكية، أو الامتيازات
التشريفية... للطبقتين الأوليين"، أما الأمور المتصلة بالدين أو لكنيسة فلا بد من
أن يوافق عليها الأكليروس. وسمح الملك لمجلس الطبقات بحق الاعتراض على الضرائب
والقروض الجديدة، ووعد بالمساواة في فرض الضرائب إذا وافقت عليها الطبقتان
المميزتان، وعرض أن تلقي توصيات بالإصلاح. وينشئ مجالس إقليمية يكون التصويت فيها
فردياً. ووافق على إنهاء السخرة، والأوامر الملكية المختومة، والمكوس على التجارة
الداخلية، وكل آثار القنية في فرنسا. ثم ختم الجلسة بمظهر وجيز للسلطة؛:
"لو أنكم تركتموني وحدي في هذه المغامرة الكبرى فسأعمل وحيداً لرفاهية شعبي... وسوف
أعد نفسي دون سواي الممثل الحقيقي لهم... ولن تصبح خطة من خططكم أو إجراء من
إجراءاتكم قانوناً ما لم أوافق عليه صراحة... وأني آمركم بالتفوق فوراً، وبمضي كل
نائب إلى قاعة طبقته صباح غد لتستأنفوا مناقشاتكم"(68).
فلما انصرف الملك رحل معظم النبلاء وقلة من الأكليروس. وأعلن المركيز بريزيه، كبير
التشريفات، على النواب الذين بقوا أن الملك يريد الجميع أن يبرحوا القاعة. ورد
ميرابو رداً مشهوراً: "سيدي... ليس لك هنا مكان ولا صوت ولا حق في الكلام... فإذا
كنت قد كلفت بإرغامنا على مبارحة هذه القاعة، فلا بد لك من طلب الأوامر باستعمال
القوة،... لأننا لن نبرح أماكننا إلا على أسنة الرماح"(69). وظاهرت هذا التصريح
صيحة هتف بها الجميع "هذه إرادة الجمعية" فانسحب بريزيه. وصدرت الأوامر للجند
المحليين بإخلاء القاعة، ولكن بعض النبلاء الأحرار أقنعوهم بالا يتخذوا أي إجراء.
فلما أنبئ الملك بالموقف قال "تباً لهم، فليمكثوا إذن"(70).
وفي 24 يونيو كتب ينج في يوميته: "أن الغليان في باريس لا يمكن تصوره، فقد كان عشرة
آلاف شخص طوال اليوم في الباليه رويال... والاجتماعات المستمرة هناك تتصل وتبلغ من
التهور.وسورة الحرية درجة لا تكاد تصده"(71). وعجزت السلطات البلدية عن حفظ النظام،
لأنها لم تستطع الاعتماد على "الحرس الفرنسيين" المحليين؛ ذلك أن كثيرين من هؤلاء
كان لهم أقرباء شرحوا لهم قضية الشعب، وتآخى بعض هؤلاء الجند مع الحشد المحيط
بالباليه-رويال؛ وفي فوج في باريس كانت هناك جمعية سرية أقسمت ألا تطيع أوامر
مناوئة للجمعية الوطنية.وفي 25 يونيو اجتمع الرجال الذين انتخبوا من قبل نواب
الطبقة الثالثة عن باريس،وعدد هؤلاء الرجال 407-وأحلوا أنفسهم محل الحكومة الملكية
للعاصمة، فاختاروا مجلساً بلدياً جديداً، وكله تقريباً من الطبقة الوسطى، وترك لهم
المجلس القديم مهمة حماية الحياة وأملاك.وفي ذلك اليوم نفسه انتقل سبعة وأربعون
نبيلاً يتقدمهم دون أورليان إلى قاعة الملاهي الصغرى. وبدا أن انتصار الجمعية أصبح
الآن أكيداً، وأن القوة وحدها هي التي تستطيع زعزعته.
وفي 26 يونيو، بالرغم معارضة نكير، أخبر الأعضاء المحافظون في الوزارة الملك أن
الجنود المحليين في فرساي وباريس لا يمكن بعد الآن الركون إلى طاعتهم للأوامر،
وأقنعوا بأن يرسل في طلب ستة أفواج من الأقاليم. وفي السابع والعشرين، وتحولا إلى
نصيحة نكير، أمر لويس وفود النبلاء والأكليروس بالانضمام إلى باقي النواب. ففعلوا،
ولكن النبلاء أبو المشاركة في التصويت بحجة أن تفويضهم عن دوائرهم الانتخابية
يمنعهم من التصويت الفردي في مجلس الطبقات. وخلال الأيام الثلاثين التالية عاد
أكثرهم إلى ضياعهم.
وفي أول يوليو استدعى الملك إلى باريس عشرة أفواج، معظمهم من الألمان والسويسريين.
وفي الأسابيع الأولى من يوليو احتل آلاف جندي بقيادة المشال برولي فرساي، واتخذ
عشرة آلاف أخر بقيادة البارون بزينفال مواقعه حول باريس،ولا سيما في الشان دمارس.
واعتقدت الجمعية والشعب أن الملك يخط لتفريقهم أو تخويفهم. وبلغ الخوف من القبض
ببعض النواب مبلغاً جعلهم يبيتون في قاعة لملاهي الصغرى بدلاً من العودة إلى بيوتهم
ليلاً(72).
في جو الإرهاب هذا عينت الجمعية لجنة لوضع مخططات لدستور جديد. وقدمت اللجنة
للجمعية تقريراً تمهيدياً 9 يوليو، ومن ذلك اليوم أطلق النواب على أنفسهم اسم "الجمعية
التأسيسية الوطنية". وكان الميل السائد بين الأعضاء في جانب الملكية الدستورية.
وكان من رأي ميرابو المطالبة بـ "حكومة شبيهة بحكومة إنجلترا بوجه عام" تكون فيها
الجمعية الهيئة التشريعية، ولكنه واصل في السنتين اللتين أفسحتا له في أجله الإلحاح
على الاحتفاظ بملك لفرنسا. وأثني على لويس السادس عشر لما أتصف به من طيبة قلب
وسماحة مقصد يشوش عليهما أحياناً مشيروه قصار النظر، ثم تساءل:
"هل درس هؤلاء الرجال، في تاريخ أي شعب من الشعوب، كيف تبدأ الثورات وكيف تنفذ؟ وهل
لاحظوا بأي سلسلة رهيبة من الظروف يكره أعقل الرجال على إتيان أفعال تتجاوز كثيراً
حدود الاعتدال، وبأي دوافع مخيفة يقذف بشعب غاضب إلى ألوان من الشطط لو فكروا فيها
بمجرد تفكير لارتعدت فرائصهم فرقاً؟"(73).
وخامرا الجمعية الشك في أن ميرابو مأجور من الملك أو الملكة ليدافع عن الملكية،
ولكنها أساساً اتبعت نصيحته. وأحس النواب، الذين كان العنصر السائد فيهم الآن رجالاً
من الطبقة الوسطى، أن جماهير الشعب أخذت تصبح عسيرة القياد إلى حد خطر، وأن السبيل
الوحيد للحيلولة دون التحلل الشامل للنظام الاجتماعي هو الإبقاء فترة على الهيكل
التنفيذي الراهن للدولة.
على انهم لم يشعروا بمثل هذا الانعطاف نحو الملكة. فقد علم أنها شاركت إيجاباً في
تأييد الحزب المحافظ في مجلس الملك، وأنها تمارس سلطة سياسية تفوق كفايتها كثيراً.
وكانت خلال هذه الأشهر الحرجة قد تجلدت لثكل ربما نال من أي قدرة أوتيتها على الحكم
الهادئ المتعقل. ذلك أن ابنها البكر، ولي عهد لويس، كان شديد المعاناة من الكساح
واعوجاج العمود الفقري إلى درجة أعجزته عن المشي بغير معونة(74). وفي 4 يونيو مات.
ولم تعد ماري أنطوانيت التي حطمها الحزن والخوف تلك المرأة الفاتنة التي كانت تمرح
طوال سني الحكم الأولى.وباتت وجنتاها شاحبتين نحيلتين، وأخذ الشيب يتسلل إلى شعرها،
وشاب الحزن بسماتها وهي تذكر أياماً أسعد، ثم أرق مضجعها وعيها بحشود الدهماء تلعن
اسمها في باريس وتحمي الجمعية في فرساي وترهبها.
وفي 8 يوليو وافقت الجمعية إلى اقتراح لميرابو يطلب إلى الملك أن ينقل فرساي جنود
الإقليميين الذين جعلوا من حدائق لنوتر معسكراً مسلحاً. ورد لويس بأنه ليس هناك أذى
مقصود بالجمعية، ولكن في 11 يوليو أفصح عن سطوته بإقالته نكير وأمره بمغادرة باريس
فوراً. تقول مدام دستال مستحضرة ذلك الحدث "وتقاطرت باريس كلها لتزوره في الساعات
الأربع والعشرين التي سمح له بها للاستعداد لرحلته... وأحال الرأي العام عاره
انتصاراً"(75). ثم رحل هو وأسرته في هدوء إلى الأراضي المنخفضة. أما الذين أيدوه في
الوزارة فأقيلوا معه. وفي 12 يوليو، وفي استسلام كامل لدعاة استخدام القوة، عين
لويس صديق الملكة، البارون دبروتوي، خلفاً لنكير، وعين دبرولي وزيراً لحربية. وبدا
أن الجمعية وثروتها الوليدة مقضي عليهما قضاء مبرماً ولكن الإنقاذ جاءهما من شعب
باريس.
|