رأي وتعليق :
حرية الصحافة في الوطن العربي -
قناة الجزيرة-
![]()
أحمد الشولي:
تمشياً مع المطالبة الجماهيرية المتصاعدة، والتوجه العالمي لرفع سقف الحريات العامة، وعلى رأسها حرية الصحافة، وافقت بعض الدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية –عن قناعة أو على مضض –وافقت على توسيع هوامش الديمقراطية، وما يترتب عليها من رفع لقيود ظلت مفروضة على حرية التعبير عقوداً طويلة.هذا التوجه عبر عن نفسه في الدول التي أخذت بالتجارب الديمقراطية والتعددية الحزبية بطفرة هائلة في عدد ونوع الصحف والمجلات التي تصدرها الأحزاب والجمعيات والنقابات المهنية والناشرون من القطاع الخاص، هامش الحرية الذي تتمتع به الصحف المستقلة يختلف من بلد إلى آخر وفقاً للمناخ السائد في ذلك البلد، والجهة المالكة لتلك الصحيفة أو النشرة الدورية. وفي معظم الأقطار العربية تعود ملكية الصحف للدولة، مما يفرض عليها الالتزام بسياسة ونهج الحكومات المعينة، مما يجعلها بالتالي عاجزة عن لعب دور الرقابة وعن منافسة الصحف المستقلة .. ففي ظل هامش الحرية النسبي حققت الصحف المستقلة أو الشعبية خلال فترات زمنية قصيرة مستويات من النجاح لم تصل إليها صحف عريقة يطلق عليها في بعض البلدان العربية الصحف القومية، فقد وجد الناس في الصحف الشعبية متنفساً ومساحة للتعبير عجزت الصحف المدجنة عن توفيرها.ولكن الديمقراطيات العربية الحديثة العهد لا تتقبل دائماً النقد بصدر رحب، لإجبار هذه الصحف على الالتزام بما تعتبره خطوطاً حمراء لا يسمح بتجاوزها لجأت في أكثر من مناسبة تحت ذرائع من مثل حماية الوحدة الوطنية أو وضع حد لنشر الإشاعات والفضائح، والتشهير بالشخصيات أو المؤسسات العامة، لجأت إلى فرض سلسلة من الإجراءات ضد الصحف الشعبية أو الصفراء –كما يحلو للبعض أن يطلق عليها– وصلت إلى إغلاق بعضها واعتقال العاملين فيها، لقد أثارت هذه الإجراءات ردود فعل متباينة حتى بين الصحفيين أنفسهم، وكل له حجته للتنديد أو الدفاع عنها.
جمال بدوي [صحفية الوفد المصرية]:
إحنا فوجئنا بنوع معين من الصحافة بدء يقتحم غرف النوم للسيدات والفنانات، ويقتات على كل ما هو بذئ وسيء، ويلتقط النفايات ويقدمها للناس في صورة مادة مكتوبة.
أحمد الشولي:
آخرون يعتقدون أن الحكومات العربية تتعامل مع الصحف المستقلة، وكأنها طير مربوط بخيط بحيث لا يسمح له بالتحليق إلا في حدود معينة، لذا انتهزت ممارسة فئة قليلة من الصحف التي أساءت إلى قواعد وسلوكيات المهنة لتفرض سلسة من القيود تستند في الواقع إلى خلفيات سياسية.
د. رياض الحَرُوب [صحفي وناشر أردني]:
أنا ما أتحدث عنه أن هذه الصحف يسجن رؤساء تحريرها وتحارب وتوقف لأسباب سياسية، لأنها تكشف فساد، تحكي عن قضية ما.
أحمد الشولي:
وأيا كانت الأسباب والمبررات، فإن المنظمات الدولية التي تعنى بالصحافة وحقوق الإنسان رأت أن كثيراً من هذه التشريعات مقيدة للحريات فيما اعتبرتها الأوساط الصحفية، وأحزاب المعارضة في البلدان المعنية محاولة لتكميم الأفواه وتراجع عن الديمقراطية، ففي الأردن -على سبيل المثال- كان قانون المطبوعات والنشر المؤقت الذي أجازته الحكومة أثناء إجازة البرلمان أحد الأسباب الرئيسية لمقاطعة أحزاب المعارضة للانتخابات الأردنية الأخيرة. ولكن في خطوة أعادت الثقة في الديمقراطية الوليدة في الأردن قضت المحكمة الدستورية هناك بعدم شرعية قانون المطبوعات، وبذلك أصبح بمقدور 13 صحفية أسبوعية استئناف الصدور، بل ومطالبة الحكومة بتعويضات مادية عن فترة توقفها. أما في مصر فقد أصدرت الهيئة المصرية العامة للاستثمار قراراً يحظر على المطابع التي تعمل بنظام المناطق الحرة طباعة ما تسميه الحكومة الصحف والمجلات الصفراء، التي تحمل تراخيصاً من الخارج، ومع اعتراف نقابة الصحفيين المصريين بتجاوزات، وأخطاء وقعت فيها بعض الصحف الشعبية، إلا أن قرار الإغلاق أثار ردود فعل غاضبة خشية أن يكون جزءاً من حملة أوسع لتقيد حرية الصحافة خاصة وأن القرار تزامن مع حملة تحريك دعاوى طالت 70 صحفياً ملاحقين قضائياً بتهم نشر إشاعات وفضائح مسؤولين وشخصيات عامة. أما في الجناح الآخر للوطن العربي، فإن حالة الصحفيين لست بأسعد حالاً من زملائهم في المشرق العربي، فالحكومات هناك لا تطبق أي نوع من المعارضة والتعرض للمسؤولين أو للمؤسسات الحكومية يعتبر محرمات لا يجوز الاقتراب منها، وهذا ما جعلها عرضة لانتقادات متكررة من المنظمات الدولية التي تعنى بالصحافة. وربما كان المغرب –بعد تشكيل عبد الرحمن اليوسفي أول حكومة معارضة، وهي تجربة غير مسبوقة في العالم العربي – ربما كان أكثر دول شمال إفريقيا تسامحاً مع الصحف المستقلة، إلا أن هذه التجربة لا تخلو من المثالب والعيوب، فتجربة قناة الجزيرة الأخيرة مازالت لغزاً محيراً، فلقد تراجعت وزارة الإعلام المغربية عن موافقة مسبقة، ومنعت ضيوف برنامج حواري كان سيذاع من (الرباط) بمناسبة الذكرى الأولى لحكومة اليوسفي من دخول مبنى التليفزيون.
سعيد السلمي [منظمة المادة 19]:
هناك هامش واسع من الحرية، لكن هذه الحرية نسبية وغير مستقرة، لأنه مثلاً ليست هناك مؤسسات مستقلة تدافع عن حرية الصحافة تضمن حقوق الإنسان وحرية الصحافة بالأساس، مثلاً هناك نقاش حول استقلالية القضاء، هناك نقاش حول دور وزارة الداخلية في الإعلام، وزارة الداخلية مازال لها يد طويلة في الإعلام.
أحمد الشولي:
سواء كان تعثر مسيرة الصحافة العربية ناجماً عن تدخل السلطات، وفرض هيمنتها عليها، أم نتيجة للممارسات الصحفية الخاطئة التي تبرر تشريعات وعقوبات صارمة، فإنه من غير المقبول استغلال أخطاء فئات قليلة من الصحف للزج بالصحفيين في السجون وتقييد حرية وحدود ما تعتبره الأمم المتحضرة سلطة رابعة.