الديمقراطية والواقع العربي

د. فيصل القاسم: تحية طيبة مشاهدي الكرام.

يُحكى أن سيدة جميلة اندفعت ذات مرة وسط حشد من الرجال وخلعت بعض ملابسها فقال لها أحدهم: ألا تخشين على نفسك أيتها الفاتنة؟ فقالت له: لو كنت أعرف أن هناك رجلاً واحداً بينكم لما تعريت! وعبر الشاعر خليل مطران عن هذا الموقف بقوله:ما كانت الحسناء تكشف سترها لو كان في هذي الجموع رجال أي أنهم جميعاً أشباه رجال، وهكذا حال الشعب العربي، فلو لم يكن عبارة عن ثلة من المستعبدين والمسترقِّين لما رضي بحال العجز والذل والهوان الذي وصلت إليه الأمة، ألسنا بحاجة إذن لتحرير الإنسان قبل الأرض؟ قال شداد لابنه عنترة في حرب داحس والغبراء –عندما دارت الدائرة على قومه- أو قومه بني عبس: ويلك عنترة كر فأجابه العبد الأسود: إن العبد لا يحسن الكر ولا الفر، فقال له والده الذي كان حتى ذلك التاريخ يرفض الاعتراف بابنه الأسود كر وأنت حر، عند ذلك انقض عنترة على الأعداء غير مبالٍ بالموت، فردهم عن قومه. ومادام الشعب العربي ليس حراً فإنه لن يحرر سوى بيانات الشجب والاستنكار، ألم يتحول الوطن العربي إلى سجن كبير حدوده قيود، وأقطاره زنزانات؟ لمصلحة من يُقمع الإنسان العربي ويُهمَّش ويُداس ويُذل؟ أليس لمصلحة الأعداء؟ ماذا نتوقع من دول مختصرة في شخص واحد يفكر نيابة عن الأمة في كل شيء؟ أليس الاستبداد إذن بيت الداء والدواء هو استرداد الحرية؟ لا نية للرقيق في كثير من أحواله، إنما هو تابع لنية مولاه. لكن لماذا كل هذا التشاؤم؟ ألم تنتصر دول كثيرة من دون الديمقراطية؟ هل كان التتار والمغول ديمقراطيين ليجتاحوا عشرات البلدان؟ ألم ينتصر العثمانيون عن الجميع من دون ديمقراطية؟ هل كان هتلر أو موسوليني ليبرالياً كي يحتل أوروبا ويصل إلى موسكو؟ هل انتصرت فيتنام بالديمقراطية؟ هل صمدت كوبا شوكة في خاصرة أميركا بالقيم الديمقراطية؟ أم أن أصحاب مقولة تحرير الإنسان قبل الأرض يضعون العربة أمام الحصان؟