|
إحسان عبد القدوس
ولد في مصر 1919 م، في أسرة فنية فوالده محمد عبد القدوس مهندس عشق فن التمثيل فترك مهنته الأصلية وتفرغ له ووالدته السيدة فاطمة اليوسف احترفت التمثيل وتفوقت فيه حتى أصبحت الممثلة الأولى في أشهر المسارح المصرية إلا أنها هجرت التمثيل واحترفت الصحافة وأصدرت مجلة "روز اليوسف" التي كانت من أشهر المجلات السياسية. وقد عاش إحسان في هذه المجلة بين المحررين وكبار الأدباء فتعلم منهم وتأثر بهم وظهرت مواهبه الفنية وهو في العاشرة من عمره فنظم الأزجال والأشعار وكتب القصص، وفي سنة 1938 التحق بكلية الحقوق وتخرج منها وعمل بالمحاماة لمدة سنتين ولكنه تركها وعمل رئيساً لتحرير روز اليوسف من سنة 1945 إلى 1966 ثم رئيساً لتحرير أخبار اليوم من سنة 1966 إلى 1974 ثم محرراً بجريدة الأهرام بعد ذلك وقد تعرض للاغتيال ثلاث مرات ولاحسان عبد القدوس إنتاجا غزيراً من الكتب الأدبية والسياسية فهو ينتمي إلى طائفة نادرة من الكتاب الذي لم يحترفوا الكتابة إلا لأنهم وجدوا فيها وسيلة لتغيير المجتمع إلى الأفضل فكتبه لم تكن بحثاً إلا عن شيئين هما الحرية والتغيير فإحسان الذي كشف فساد النظام الملكي للعام 1948 في قضية الأسلحة الفاسدة هو نفسه الذي كشف الوهن الذي يعتري تقاليدنا الاجتماعية التي كانت تنظر إلى المرأة على أنها كائن من الدرجة الثانية وكلنا نذكر روايات "لا أنام، وأنا حرة، ودمي ودموعي وابتسامتي، وأنف وثلاث عيون"، وغيرها من الروايات التي رسخت صوراً محددة لاحسان عبد القدوس في أذهان العامة بعد تحولها إلى أفلام سينمائية اتيح لقطاع عريض من الناس أن يراها وليس من رأى كمن قرأ . كتب مقال ضد السفير البريطاني في مصر بعنوان "هذا الرجل يجب أن يذهب" فصودرت المجلة التي يعمل فيها وقبض عليه وأودع السجن وبعد الإفراج عنه عينته الأم فاطمة اليوسف رئيساً لتحرير المجلة وسمحت له لأول مرة بالتدخين أمامها وخاض أكثر من معركة مسانداً لقيم الحرية والعدل فمقالاته الشهيرة في قضية الأسلحة الفاسدة في عام 1948 كانت سببا في استدعائه إلى التحقيق وقد ساعده في إثارتها أن الضباط الأحرار قدموا له وثائق تشير إلى بعض الأمراء وكبار الضباط وغيرهم من المتورطين في الصفقات المشبوهة للأسلحة وظل إحسان عبد القدوس متمسكا بالديمقراطية حتى آخر لحظة في حياته فالضباط الأحرار الذين ساعدوه بإمداده بالوثائق قبل ثورة 23 يوليو 1952، اصطدموا به عندما ثار بعنف ضد ضرب عبد الرزاق السنهوري، بمكتبه في مجلس الدولة وذهب لزيارته في بيته وكتب ثلاث مقالات تحت عنوان "الجمعية السرية التي تحكم مصر" وتحمل السجن لمدة ثلاثة اشهر في زنزانة انفرادية، لكنها كانت نهاية لصداقته مع "الضباط الأحرار" وطوال الفترة التي سجن فيها كانت السيدة فاطمة اليوسف والدته قد اتخذت قراراً بعدم ذكر أسماء هؤلاء الضباط في مجلتها وكأنهم ليسوا موجودين.في العام 1964 وقف أحد أعضاء مجلس الأمة مطالبا بمصادرة رواية إحسان عبد القدوس "أنف وثلاث عيون" ومنعها من التداول لأنها تسمم الآداب العامة وهي الرواية التي أغضبت جمال عبد الناصر كما قيل وإن ظلت هذه الحكاية غامضة وملتبسة لكن من المؤكد أن إحسان كتب إلى عبد الناصر رسالة يقول فيها: "ما أراه يا سيدي الرئيس في مجتمعاتنا شيء مخيف إن الانحلال والأخطاء والحيرة والضحايا كل ذلك لم يعد مقصوراً على طبقة واحدة من طبقات المجتمع بل امتد إلى كل الطبقات والذي سجلته يا سيدي يحدث فعلاً وبوليس الآداب لا يستطيع أن يمنع وقوعه والقانون لن يحول دون وقوعه إنها ليست حالة فردية إنه مجتمع منحل ولن يصلح هذا المجتمع إلا دعوة وإلا إنبثاق فكرة وسط الناس ولهذا أكتب قصصي"، هكذا يبدو إحسان إنساناً أخلاقياً من الأخلاقيين أنفسهم وإذا كان إحسان في حياته قد تعرض للسجن والمساءلة أكثر من مرة فإن رواياته بعد موته أيضاً وقفت أمام المحاكم فقد فوجئ القراء أن الناشر الخاص بإحسان قد حذف جملاً وعدل أخرى في أكثر من 22 رواية وكأنهم يصرون على فهم الرجل كما يريدون دون احترام لكون ما تركه يعد تراثاً لا يجوز العبث به ويقول الشيخ محمد الغزالي عن إحسان عبد القدوس "سر عظمة إحسان يكمن في قول الحق رغم تكاليفه الباهظة كما ذكر أنه كان من النوع الذي يحمل تكاليف الحق ويتجرع مرارته بسهولة. حارب الملكية ودخل السجن وبعد شهور أدخلته الثورة السجن لأنه رفض أن ينحني، قال الحق في وجه الملك وفي وجه رئيس الجمهورية. رجل لا يحسن النفاق يكسر الأصنام ولا يحرق البخور هكذا كان إحسان عبد القدوس". وعلى مدى نصف قرن من الكتابة الأدبية ترك ما يزيد على 58 كتاباً، وكانت له قدرة كبيرة على الانتشار والتأثير إلا أنه لم يحظ بالتقدير النقدي المناسب لما خلفه من كتابات، فكان موضع تجاهل من النقاد والمتابعين للحركة الأدبية، ولم يكن محظوظاً من المؤرخين، فهل ظلم نفسه بعد التفرغ للأدب؟ وإذا كان لابد لنا من تصنيف أدب إحسان عبد القدوس فهو كاتب رومانسي عندما تقتضي الرومانسية، وواقعي حينما يقتضي العمل منه ذلك، وهو أعظم من كتب عن الطبقة الأرستقراطية بعقدها وصراعاتها وأحلامها التي تفوق قدراتها الحقيقية، ولم يحصد الإنكار والتجاهل فقط من جانب النقاد ولكن من جانب الدولة، فهو لم يحصل على جائزة الدولة التقديرية إلا في العام 1990 ، بينما يستعد لتوديع الحياة في أخريات أيامه وكان فعلاً عام وفاته.
|